facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 45927
    تاريخ نشره : 2/17/2014 12:14:00 PM

    الخطیب: مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    المعارف الإسلامیّة (100) الإسلام و الصلح و الأمنيّة (7)


      بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .

     تكلّمنا في الخُطَب الماضیة عن الأمنیّة في المجالات المختلفة ، فلنبحث الیوم بإختصار عن الأنواع الأخری من الأمنیّات.

    الأمنیّةالدینیّة :

    إنَّ ما لا شك فیه هو أنَّ في خلقة الإنسان میول و رغبات فطریّة و هذه الخصائص تكمن في كلّ إنسان. و بالرغم من ذلك فلربّما یمكن أن تكون هذه الرغائب الطاهرة المقدّسة ملوّثة بالغبار عند بعض الناس ولكن هذه الرغبات موجودة في ذاتهم و حتّی حین یتواجه هؤلاء الناس في بعض الأحیان مع المشاكل و یصیبهم الیأس بسبب المشاكل الدنیویّة الظاهریّة ، و حینئذٍ تلفت هذه الحقائق أنظارهم و تحیي فیهم التوجّه ألیها.

    فعلی كلٍّ ، إنَّ هذه الرغائب تتواجد في فطرة الإنسان و هي علی أنواع عدیدة و منها الرغبة إلی طلب الفضائل و الرغبة إلی كشف العِلَل والحقائق و أمثالها. و ما لا شك فیه هو أنَّ أبرز هذه الرغائب هي الرغبة في العبادة ، أي أنَّ هذه الرغبة تكمن في فطرة كلّ إنسان و لذلك كان أهمّ ما سعی إلیه الأنبیاء و المرسلین هو إبلاغ الناس بأنّ الله تبارك و تعالی هوالذي خلقهم و خلق الجنّة لهم و حذّرهم و هداهم لكي لا یقعوا في المخادع لعبادة الأصنام و الآلهة الجعلیّة.

    و لكن و مع الأسف الشدید كانت هذه المشاكل متواجدة في المحیط البشريّ طوال التأریخ و قد وقع الكثیر من الناس بسببها في المخادع و الوقوع في الإنحراف ، ولكنّ المهمّ هو أنَّ بالرغم من وجود هذه الرغبة الفطریّة في ذات الإنسان، فلا یكون الإنسان مُجبرًا بإنتخاب الدین أو الإنتماء إلی عقائد خاصّة و هذه الحرّیّة في حقّ الإنتخاب موهوبة إلی الإنسان لكي یتّبع الأصول التي ینتخبها.  

    و لا یجوز في الإسلام التدخُّل في عقائد الناس و تفتیشها ، أو التعرُّض إلی من هو منتميٍ إلی عقائد أخری و مؤاخذته. إنَّ أهمّیّة الأمن الدینيّ عالیة لدرجة ، بحیث أنَّ كلّ المجتمعات البشریّة لها حرمتها و رسمیّتها مُعترفةٌ و هذا ما نراه أیضًا في المادّة 18 من حقوق الإنسان العالمیّة و نصُّها ما محتواه هو: « إنَّ لكلّ إنسان حقّ الحرّیّة بالفكر و الضمیر و الدین. و هذا الحقّ یضمن أیضًا حرّیّة تغییر الدین أو العقیدة كما و أنَّ له حرّیّة إظهار العقیدة. كما و أنّها تشمل حرّیّة التعالیم الدینیّة و إجراء المراسیم الدینیّة و یحقّ لكلّ أنسان أن یتمتّع بهذه الحقوق سواءًا إن كان ذلك بصورة فردیّة أو إجتماعیّة أو بصورة خصوصیّة أو عمومیّة.»

    كما و إنّنا نری أنَّ هذه الحرّیّة مُعترفٌ بها أیضًا بصورة رسمیّة في المادّة الرابعة في القانون الأساسيّ الألمانيّ و المادّة الإلحاقیّة الأولی للقانون الإساسيّ الأمریكيّ المصوّب في عام 1719 المیلاديّ و المادّة العاشرة من القانون الأساسيّ الشعبيّ الفرنسي المصوّب في عام 1789 المیلاديّ.

    إنَّ الإعتراف بالدین في هذه الموادّ القانونیّة هي إحدی الأمور التي تفسح المجال لحریّة إختیار الدین للناس و تحترمها و لكن لا یسُتنتج من بیاناتها أنَّ الغرض من الإعتراف بوجوب أنَّ الدین من ملزمات الحیاة الفكریّة للبشریّة.

    و بما أنَّ الأمنیّة الدینیّة محترمة في كلّ مكان فلذلك تكون مهمّة ، و لكن بما أنَّ الأمور التي تُطرح في هذا الخصوص ، یجب الإهتمام بها من وجهة النظر الإسلامیّة ولذلك فإنَّ تأكیدنا هنا هو ما یخصّ الأمنیّة الدینیّة.ّ

    إنَّ الإسلام هو الدین الكامل الذي فيه التعالیم التي ینال الإنسان بها الرقيّ و الكمال كما وإنّنا نری فیه التأكید علی أنَّ الإنسان موجودٌ حرٌّ من وجهة النظر الوجودیّة و التكوینیّة و قد خُلِقَ ذو حرّیّة إذ أنَّ الله تبارك و تعالی قد وهب له مطلق الحرّیّة في إنتخاب ما یشاء و له الحرّیّة حتّی في إنتخاب الدین لنفسه كما نری بیان ذلك في قوله تعالی :

    « قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعين »

    و ما نستنتجه من هذه الآیة هو أنَّ الهدایة الإجباریّة لا ثمر لها و لذلك فإنَّ الله عزّ وجلّ قد كرّم الإنسان و تفضّل علیه بالحرّیّة في إنتخاب دینه. و لذلك نری في آیَةٍ أخری بیان أنّه جلّ و علا قد وهب حرّیّة الإنتخاب إلی الإنسان و لو شاء لجعل الناس كلُّهُم مؤمنین من دون أن یضع حرّیّة الإختیار في عُهدتهم كما نری بیان ذلك في الآیة الآتیة في قوله تعالی :

    « وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنين »

    فهل للإیمان الإجباري أيِّ شأنٍ؟    

    إنَّ ما یتّضح لنا من كلّ ذلك هو أنَّ العقیدة هي قضیّة قلبیّة و إختیاریّة و لا مجال للجبر و الإكراه فیها ، و لذلك فإنَّ الله تبارك و تعالی قد وهب كلّ القابلیّات التي یستطیع الإنسان أن یستند علیها لإنتخاب الدین و العقیدة و منها العقل و الفطرة و الهدایة التشریعیّة و لذلك نری البحوث المفصّلة في تفسیر الآیة في قوله تعالی : « لا إِكْراهَ فِي الدِّين» فإنَّ كلّ المفكرین المسلمین یعتقدون أن لا مجال للإكراه في ما یخصّ الإعتقادات التي هي من الأمور القلبيّة.

    إنَّ السعي لكشف ما یتصوّره الفرد كخلاف لیكشفه و یسیئ سمعته عند الآخرین  ممنوعٌ في الإسلام و لذلك نری في الآیة 12 من سورة الحجرات بیان « لا تجسّسوا »

    و ما نستنتجه من آیاتٍ أخری في القرآن الكریم هي أنَّ الله عزّ و جلّ قد تفضّل علی الإنسان بإعطائه الحرّیّة لإنتخاب أیّة عقیدة ما شاء ، و لكن لا یعني ذلك أن لو غیّر الإنسان عقیدته ، فیجوز له أن یهین مقدّسات الآخرین ، إذ أنَّ هذه الإهانة تسَبِّب الإختلال في الأخلاق و الإعتقادات الإجتماعیّة و لذلك هنالك في كلّ بلدٍ في العالم القوانین التي تخصُّ هذه المشاكل لمنع حدوثها ، كما و أنَّ في الإسلام أیضًا القوانین و الأحكام الشرعیّة الدقیقة التي تعیِّن حدود تصرُّفات الناس و سوف نتطرّق إلیها في المستقبل إن شاء الله تبارك و تعالی و له الحمد و الشكر علی ما هدانا.  

    نرجو الله تبارك و تعالی أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق لفهم المعارف الدینیّة الإسلامیّة ونسأله جلَّ وعلا التوفیق للتعمُّق في خشیته و طاعته  بالرغبة و المحبّة له و لأولیائه علی عتبة رحمته و تجاه الآخرین من عباده و أن نحمده و نشكره علی كلِّ ما وهبنا من الهُدی وأن نسعی بكلِّ ما في وسعنا لمعرفة سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.

     


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :