facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 54258
    تاريخ نشره : 6/27/2014 5:31:25 PM

    الخطیب: مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    شهر رمضان المبارك شهر ضیافة الله تبارك و تعالی

    إنَّ هذا الشهر المقدّس هو شهر الله تبارك و تعالی و حساب كلّ عملٍ هو عنده جلّ و علا و لذلك فإنَّه أفضل من كلّ الأشهر و أیامه و لیالیه أفضل من كلّ الأیّام و اللیالي ، بل إنَّ كلّ ساعاته و لحظاته أحسن وأفضل من كلّ الساعات و اللحظات.

    بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه

    أیُّها المؤمنون الأعزّاء قد أقبل علینا شهرٌ باركه الله جلّ و علا للمؤمنین و هو شهر رمضان المبارك الذي هو شهر الخصائص الإلهیّة و هو الشهرُ الذي یُهیّئ كل الشروط للتوسُّم بالسیرة و السلوك الحسنة للتقرُّب إلی الله عزّ و جلّ.  و لذلك فإنَّ الذي لم یسعَ للتمتُّع بما لا یُعدُّ و لا یحصی من النِّعَم و العطایا الإلهیَّة، فهو من الذین خسروا وجودهم، كما نری بیان ذلك في خطاب الرسول الأكرم المصطفی الأمجد أبی القاسم محمد (ص) حین أعلن إقبال شهر رمضان المبارك قائلاً : « إنّ شهرِكُم هذا لَيسَ كالشهور، إنّه إذا أقبل إليكم أقبل بالبركة والرحمة، وإذا أدبر عنكم أدبر بغفران الذنوب، هذا شهرٌ الحسنات فيه مضاعفة، وأعمال الخير فيه مقبولة » 

    و لذلك فعلی الذي یتمتّع بالصحّة و العافیة أن یصومه كما نری بیان ذلك في قوله تعالی : « مَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ » و أن یستمرّوا بالصیام إلی اللیل « وَ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ » فعلی المسلمین أن یصوموا « لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ » و لکي ینالوا الفلاح و النجاة كما هو في قوله تعالی: « لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » و لكي یشكروا الله تعالی علی كلّ نِعمه و بركاته إستجابة لقوله تعالی: « وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » .   

    و أمّا ما یخصّ الحكمة التي تكمن في الصیام فهنالك آیات کثیرة فی القرآن الكریم و الروایات و منها أنَّ الصیام هو تمرین التقوی الإلهیّة و الفوز بالفلاح و النجاة و التوصُّل إلی مقام العبد الشكور للمولی العزیز الغفور ، كما جاء في روایة أنَّ الصحّة من حِكم الصیام في قول « صوموا تصِحّوا » ففي الصیام صحّة الجسم و الروح.

    جاء في روایة عن الإمام الصادق (ع) في الجواب علی سؤال وجّههُ هشام بن الحكم ما سببُ فرض الصیام علی الناس، أنّه قال :

    « اِنَّما فَرَضَ الله عزّوجل الصِّيام ليستوي به الغنيُّ و الفقير و ذلك لأنَّ الغنيَّ لم يكن ليجدَ مسَّ الجوع فيرحم الفقير، فأراد الله سبحانه ان يُذيق الغنيَّ مسَّ الجوع ليرقَّ على الضَّعيف و يرحم الجائع. »

    إنَّ هذا البیان الملئ بالنور یبیِّن  لنا آثار الصیام في المجتمع الإنسانيّ ، إذ أنَّ المجتمعات الإنسانیّة تتكوّن دائمًا من طبقة من الأغنیاء و طبقاتٍ من الفقراء. إنَّ تواجُد الفقر في المجتمع یسبِّب الكثیر من المشاكل التي یجب أن یُساهم الجمیع في حلِّها لنفي الفقر من المجتمع کما و إنَّ في الإسلام هنالك الحلول الکثیرة لهذه المشاكل و منها وجوب إعطاء الخمس و الزكاة و المستحبّات من التبرُّعات لحل مشكلة الفقر في المجتمعات. و لكن هذه الحلول هي جزء من الوسائل لمكافحة الفقر في المجتمعات و لذلك فعلی أولئك الذین هم أغنیاء أن یُساهموا في حلّ مشاكل الفقر التي یُصاب بها المجتمع وذلك بالإنفاق و الإعطاء.

    إنَّ ما نراه في ما قاله الإمام الصادق (ع) هو أنَّ الأغنیاء و الأثریاء لربّما لا یُفكرون بحال الفقراء و لكنّ الصیام یجعل کلّ إنسان یحسّ بما یعانیه الذین لا یملكون ما یَطعَموه و یُفكرون عندئذٍ بالّذین یُعانون من الجوع بسبب فقرهم ، فیسعون لمعونة الفقراء و إنفاق المساعدات لهم. و علاوة علی كلّ ذلك فإنَّ ما نراه في رسالة الإمام الرضا (ع) إلی إبن سنّان من بیان الحِكم الأخری التي تكمن في وجوب الصیام في بیانه (ع) قائلاً :

    «لعِرفانِ مَسِّ الجوع وَالعَطش لِيَكون العَبد ذليلاً مستكيناً مأجوراً محتسباً صابراً و يكون ذلك دليلاً له على شدائد الآخرة مع مافيه له من الإنكسار عن الشهوات واعظاً له في العاجل، دليلاً على الآجل ليعلم شدّة مبلغ ذلك من أهل الفقر والمسكنة في الدنيا والآخرة»

    إنَّ ما لا شك فیه هو أنَّه كلّما إزداد ذكر الإنسان للآخرة في حیاته ، كلّما إزدادت قواه في تربیة نفسه. و حین نتمعّن في هذه البیانات المنوّرة، یزداد الوضوح لنا بأنَّ في صیامه الكثیرمن الآثار و الحِكم الدنیویّة و الأخرویّة و كلّها لها تأثیرها العمیق في تربیة الإنسان و سلامته و سلامة المجتمع الذي هو فردٌ منه و یعیش فیه و حین یُقام فیه الصیام ، یضمن المستقبل المنوّر بالرغد و السعادة للجمیع. و هذه الأمور هي السبب في كون الصیام من أركان الأحكام الإسلامیّة التي فیها الأمان من نار جهنّم كما نری بیان ذلك في قوله تعالی ما محتواه « إنَّ الصوم لي و أنا أجزی به » 

    إنَّ هذا الشهر المقدّس هو شهر الله تبارك و تعالی و حساب كلّ عملٍ هو عنده جلّ و علا و لذلك فإنَّه أفضل من كلّ الأشهر و أیامه و لیالیه أفضل من كلّ الأیّام و اللیالي ، بل إنَّ كلّ ساعاته و لحظاته أحسن وأفضل من كلّ الساعات و اللحظات. فحین نكون كلّنا ضیوف ربّ العالمین الذي هو أكرم الأكرمین ، و نكون جالسین علی سفرة كرمه، فعلینا أن نستغلّ كلّ لحظة و ساعة بأحسن ما في وسعنا للتسبیح بحمده و شكره و الإخلاص في طاعته تبارك و تعالی.

    إنَّ هذا الشهر هو أحسن الأشهر التي یستطیع الإنسان أن یراقب نفسه فیه و یحاسبها كما و أنَّ المؤمن یستطیع أن یُعمِّق إرتباطه بالمولی العزیز الغفور  و یخلص في طاعته جلّ و علا لیكتسب أجمل الحالات المعنویّة.

    قال رسول الله (ص) : « رَمَضان شَهرُ الله تبارك وَ تعالى إستكثروا فيه من التهليل و التكبير و التحميد و التمجيد و التسبيح و هو ربيع الفقراء » و قال (ص) أیضًا :« إنَّ الجَنَّةَ مُشْتَاقَةٌ إلى أرْبَعَةِ نَفَر إلى مُطْعِمٍ الجَيعانِ وَ حَافِظِ اللِّسَانِ وَ تَالِي الْقُرآنِ وَ صَائِم شَهْر رَمَضَانَ »    

    إنَّ هذا الشهر هو شهر السالكین في مسیر التقرُّب إلی الله تبارك و تعالی و خصوصًا أولئك الذین هم ساعین للتعمُّق في إخلاصهم و إرتباطهم بأرحم الراحمین و لذلك فإنَّ كلّ لحظة من لحظاته هي أجمل اللحظات في الحیاة. و ما لا شك فیه هو أنّه كلّ ما إزداد الإنسان تعمُّقًا في معرفة أسرار هذا الشهر العظیم ، كلَ ما إزداد تقدُّمًا في المسابقات المعنویّة و كسبًا للأجر و الثواب من الله الكریم الغفورو خصوصًا في یوم عید الفطر المبارك.

    إنَّ التوفیق لقراءة الأدعیة الكثیرة مثل دعاء الإفتتاح، دعاء أبوحمزه الثمالي، دعاء السحر و إحیاء لیالي القدر فیه و الأنس بذكر الله و شكره جلّ و علا هي من الأمور التي فیها خیر الجزاء للصائمین في الأیام و القائمین في اللیالي في هذا الشهر العظیم.

    و لكي لا نفقد هذه الفرصة العظیمة للرجاء و الدعاء فیجب علینا أن نسعی بكلّ ما في وسعنا للإخلاص في طاعته بکل عمق و الأمل في مغفرته تبارك و تعالی لیتفضّل علینا بكرمه و رحمته بغرس الإیمان في قلوبنا للفوز بالسعادة في الدنیا و النجاة في الآخرة و أن یحشرنا مع أولیائه و أحبّائه جلّ و علا و هو وليُّ كلّ توفیق و هو أرحم الراحمین.

    نرجو الله تبارك و تعالی أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق لفهم المعارف الدینیّة الإسلامیّة ونسأله جلَّ وعلا أن یُوَفِّقنا لخشیته و طاعته بالرغبة و المحبّة له و لأولیائه و أن نكون خلوقین محسنین تجاه الآخرین من عباده و أن نحمده و نشكره علی كلِّ ما وهبنا من الهُدی وأن نهتمّ بكلِّ ما في وسعنا لمعرفة سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.  

    والسلام علیكم و رحمة الله و بركاته


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :