facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 54760
    تاريخ نشره : 7/4/2014 7:37:16 PM

    الخطیب: مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    المعارف الإسلامیّة (119) الإسلام و الشریعة (13)

    و لذلك تكون معرفة الشریعة و الأحكام الإلهیّة أكثر أهمّیّة فیما یخصُّ العلماء و رجال الدین و الحكماء و العُرفاء الحقیقیّن، إذ أنَّ تیاه هؤلاء یؤدّي إلی تیاه الكثیر من الناس كما نری بیان ذلك في روایة « إذا فَسَدَ العالِم فسَدَ العالَم » فإنَّ فساد العالَم یكثر حین یقلّ إلتزام العالِم بالشریعة.

                                                                بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .

    الموضوع : المعارف الإسلامیّة (119) الإسلام و الشریعة (13)

    من الأمور المهمّة التي یجب أن یدور البحث حولها هي درجة تأثیرالشریعة في السیرة و السلوك الإنسانيّة و هل من الممكن أن یصل الإنسان إلی الكمال من دون الشریعة؟ فالنسلّط الضوء علی هذا الموضوع .

    إذا كان رقيّ الإنسان و سعادته تخصّ الإعتبارات و الأمور الدنیویّة فقط ، فلربّما یری البعض أن لا حاجة إلی إلتزامهم بالشریعة و الأحكام الإلهیّة و یظنُّون أن لا حاجة لهم أن یُحدِّدوا بها مدار حیاتهم و ما لا شك فیه هو أنَّ هنالك الكثیر من السُّبُل للتوصُّل إلی المقامات الدنیویّة.

    فلربّما یؤدّي إنتماء شخصٍ إلی مجموعةٍ مّا إقتباس خصائصهم و أوصافهم إلی التنحّي عن القوانین الإلهیّة ، إذ أنّه یمكنُ أن تُبعده الرغبة إلی التوصُّل إلی الرئاسة عن الحقّ أو الحصول علی رتبة ذات مقامٍ عالی و تجعله یستفید من وسائل لیست مسموحة في الشریعة.

    فعلي سبیل المثال نری أنَّ هنالك من الناس من یرید أن ینال أمراً دنیويّاً مثل المنصب و المقام عن طریق توجیه التهمة إلی الآخرین لإزاحتهم عن منصبهم أو السعي للإستیلاء علی المنصب بالتملُّق و الكذب و الأقوال المزوّرة ، ولكنّ الإنسان المتدیِّن الذي یری التمسُّك بالأمور الدینیّة أولی بكثیر من الأمور الدنیویّة و یری شأن الآخرة أعلی وأفضل من شأن الدنیا، فإنّه یری الكمال في التوسُّم بالصفات التي یحبّها الله تبارك و تعالی لعباده مثل الحكمة، العلم، الرحمة و الرأفة و هلُمُّ جرّا و یسعی لكسبها.

    إنّنا نری في القرآن الكریم أنّ الله تبارك و تعالی هو الذي قد خلق الإنسان و جعله خلیفة في الأرض، فیجب علی الإنسان أن یسعی بكلّ ما في وسعه لنیل الكمال المطلوب. و الوسیلة التی یهتدی بها إلی ذلك الكمال هي الإلتزام بالقِیَم الأخلاقیّة و الفضائل المعنویّة ولذلك فإنَّ الشریعة هي الوسیلة الوحیدة التي جعل الله تبارك و تعالی فیها هدیً للناس و بیِّناتٍ من الهدی

    و لذلك فإنَّ العمل بها من الأمورالضروریّة و لیس في وسع الإنسان أن ینال الكمال من دون إتِّباعها ، فیجب علی الإنسان أن یلتزم بها إلی آخِر لحظة من حیاته، فلنتطرّق إلی دور الشریعة في تنظیم سلوك الإنسان و سعیه لنیل الكمال و الفضائل.  

    لقد تبیّن لنا في الخُطَب الماضیة أنَّ الشریعة هي لهدایة كلّ مسلم إلی سبیل الرشاد و لكي یعلم ما هي واجباته في كلّ مراحل الحیاة سواءًا إن كان ذلك ما یخصّ واجباته الشخصیّه أو ما یخصُّ واجباته الإجتماعیّة و لكي لا یبقی في حیرة حین یتواجه مع المشاكل في حیاته، فیجب علیه إذَن أن یعمل بالشریعة الإلهیّة التي فیها التعالیم التي یستطیع الإنسان أن ینال الكمال الذي هو لائقٌ به والسعادة في الحیاة الدنیا و الفوز بالجنّة في یوم الحساب بالعمل بالشریعة و لذلك فإنَّ المسلمین كلّهم من خاصِّهم و عامِّهم ینالون السعادة بها منذ الولادة وطوال الحیاة و من بعد الممات و لا یستطیعون أن یستغنوا عن ذلك في أیّة لحظة من حیاتهم.    

    و نتیجة الإلتزام بتعالیم الشریعة الإسلامیّة هي حفظ الكرامة الحقیقیّة للإنسان من كلّ وجهات النظر في الحیاة ، أي أنَّ الإنسان یذوق بها طعم النشاط الحیويّ و الطراوة و الإحساس بالأمن و السكینة النفسیّة بالرغم من مواجهته للكثیر من المشاكل في الحیاة، بل و إنّه یستطیع أن یحلّها بالحكمة و الموعظة الحسنة.

    كما و إنّ الإنسان المؤمن یتقبّل كلّ ذلك فإنّه یعلم أنَّ الله تبارك و تعالی هو الخالق الواحد الأحد الذي أعطی كلّ شئ خَلْقَهُ و یعرف ما یُسعِد الإنسان حقّ السعادة و كلّ ما وضعه الباري عزّ و جلّ من قوانین و شرائع لیست إلّا لسعادة الإنسان و لیست لشقائه، حاشا لله ثمّ حاشا له أن یكون بحاجة أبدًا و إنَّ ما یتقبّله من عباده هو أیضًا عطاءٌ منه جلّ و علا بكرمه و مَنّهِ و فضله علی عباده.

    فإنَّ ما لاشك فیه هو أنَّ العبودیّة لعظمته و جلاله و القیام بالعبادات و العمل بالأوامر الإلهیّة لیست إلّا لنفع الإنسان. و بمرور الزمان یشعر الإنسان بالنور و المعنویّات الخاصّة عند القیام بالأعمال التي یحسّ بها عند ذكر الله تبارك و تعالی و هذه هي المقدّمات التي تهیّئ الإنسان للتوسُّم بالصفات الحسنة التي تجعله في المقام المحمود كما نری بیان ذلك في قوله تعالی:« وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا» ([1])

    و هكذا نری أنَّ إحیاء اللیل و أداء صلاة اللیل هي من الأمور التي وصّی الله تبارك و تعالی بها رسوله الكریم (ص) لكونه الأسوة الحسنة في تلك المرتبة العالیة و ما لا شك فیه هو أنَّ أداء كلّ فریضة و القیام بالواجبات علی خیر ما في وسع الإنسان لها میزتها التي تؤدّي بالإنسان إلی المقامٍ و الرتبة المحمودة و کلٌّ علی ما في وسعه.

    و ما نراه هنا هو أنَّ كلّ القوانین الإلهیّة لیست إلّا لهدایة الإنسان لما فیها من وسائل التقرّب إلیه جلَّ و علا و التي هي الهدف لخلقة الإنسان كما و أنَّ في الشریعة هدایة الإنسان لما فیه الصلاح له سواءًا إن كانت ما یخصُّ الأمور المادّیّة أو الغیر مادّیّة ، إذ أنَّ الإلتزام بالشریعة تُنَشِّط كلّ القوی الإنسانیّة للمسیر في سبیل الحقّ و التوسُّم بالفضائل و الکمالات الإنسانیّة.

    إنّنا نری في القرآن الكریم أنَّ الله تبارك و تعالی یُحذِّرنا عن الغفلة إذ أنَّه جلّ وعلا یعلم خائنة الأعین و ما تخفي الصدور و ما یدور في النفس من وساوس تؤدّي به الی الإنحراف عن سواء السبیل و الوسیلة الوحیدة للحذر من الوسواس هي التقوی و السیطرة علی النفس الأمّارة بالسوء و رعایة القوانین الإلهیّة و العمل بها إذ أنّه عزّ و جلّ یعلم كلّ صغیرة و كبیرة كا نری بیان ذلك في قوله تعالی: « وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَ نَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» ([2])

    و حین نتمعّن في الأحكام الإلهیّة بكلّ دقّة لنری ما یكمن فیها من الآداب و الأسرار ، نحصل علی النتیجة القطعیّة التي تدلُّ علی أنَّ التوصُّل إلی الحقّ و الحقیقة والمسیر في سبیل الحقّ و نیال أيِّ مقامٍ محمودٍ ما كان ،لا یكون إلّا عن طریق الشریعة و ما لاشك فیه هو أنّه كلّ ما إرتقی الإنسان في مقامه كلّ ما إزدادت حاجته إلی الشریعة الإلهیّة و لیس الأمر هو أن لو توصّل الإنسان إلی درجة من المعنویّة الإلهیّة یمكن أن یری نفسه في غنیً عن الشریعة، إذ أنَّ المؤمن كلّما إرتقی في سلّم التقوی كلّ ما إزدادت الضرورة لمراقبة نفسه. 

    و لذلك تكون معرفة الشریعة و الأحكام الإلهیّة أكثر أهمّیّة فیما یخصُّ العلماء و رجال الدین و الحكماء و العُرفاء الحقیقیّن، إذ أنَّ تیاه هؤلاء یؤدّي إلی تیاه الكثیر من الناس كما نری بیان ذلك في روایة « إذا فَسَدَ العالِم فسَدَ العالَم » فإنَّ فساد العالَم یكثر حین یقلّ إلتزام العالِم بالشریعة.

    و النتیجة نری أنَّ الشریعة تهیّئ الأرضیّة لتوصُّل كلّ إنسان إلی الكمال و من أيِّة طبقة كان ولا یمكن التوصُّل إلی الكمال المطلوب من دون العمل بالشریعة و مَن بدأ الإرتقاء علی سُلّم الكمال، فكلّ ما صعد درجة كلّ ما إزدادت حاجته للهدی بالشریعة و هذا التصاعُد في الإرتقاء و الإحساس بالحاجة إلی المولی العزیز القدیر للهدایة و الإرتقاء و هذه الإحساسات تشمل حتّی الأنبیاء و الأئمّة كما نری بیان ذلك في مناجاة الرسول الأكرم أبوا القاسم محمّد (ص) للباري جلّ و علا قائلاً:

    « مَا عَرَفنَاك حَقِّ مَعرِفَتِك وَ مَا عَبَدنَاك حَقِّ عِبَادَتِك ».    

    نرجو الله تبارك و تعالی أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق لفهم المعارف الدینیّة الإسلامیّة ونسأله جلَّ وعلا أن یُوَفِّقنا  للتعمُّق في خشیته و طاعته  بالرغبة و المحبّة له و لأولیائه علی عتبة رحمته و أن نكون خلوقین محسنین تجاه الآخرین من عباده و أن نحمده و نشكره علی كلِّ ما وهبنا من الهُدی وأن نهتمّ بكلِّ ما في وسعنا لمعرفة سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.   

    والسلام علیكم و رحمة الله و بركاته



    [1] . سورة الإسراء ، الآیة 79 .

    [2] . سورة ق، الآیة 16.


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :