facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 55925
    تاريخ نشره : 7/18/2014 6:14:47 PM

    الخطیب: مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله رضا الرمضاني

    نظرة إلی شخصیّة أمیرالمؤمنین عليّ (علیه السلام)

    و من الأمور الأخری المهمّة في هذه الوصیّة هي التوصیة للنظم في كلّ الأمور في الحیاة الشخصیّة و العائلیّة و الإجتماعیّة ، إذ لو لم یكن هنالك نظمٌ في حیاة الإنسان فسوف تفوته الكثیر من الفرَص و سوف لا یستطیع أن یأخذ من دار ممرِّه ذُخرًا إلی دار مقرِّه. فیستطیع الإنسان إذن فقط حین یستفید من كلّ ساعة في حیاته للقیام بأداء الواجبات التي علی عاتقه لیستمرّ في المسیر نحو الهدف النهائي للخلقة و تطبیق فلسفة الحیاة التي هي السعي الحثیث للتقرُّب إلی الله تبارك و تعالی.

                                                                بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .

    الموضوع : نظرة إلی شخصیّة أمیرالمؤمنین عليّ (علیه السلام)

    إنَّ یوم إستشهاد أمیرالمؤمنین عليّ بن أبیطالب (ع) مُقبلٌ علینا، فیجدربنا أن نتمعّن في تلك الشخصیّة العظیمة و المُصلح التأریخيّ العظیم و هو الذي لم یُعرَفَ قدرَه طوال التأریخ و لم تَعرِف قدرَهُ البشریّة في العصر الحاضر. إنّ شخصیّته لا یَسَعُها زمانٌ ولا مكانٌ، بل إنَّ قبول شخصیّته كخیر أسوة للأخلاق عبر الزمان و عبر المكان لا مردَّ له ، في حین أنَّ كلّ الناس یستطیعون أن یقتدون به لیستفیدوا من كراماته و هو خیر أسوةٍ و نموذج المُثُل العلیا في الإسلام والأخلاق.    

    إنّه المعجزة التربویّة التي قام بها الرسول الأكرم أبوا القاسم محمّد (ص) و لذلك كان له تأثیر عجیب في الحیاة الإنسانیّة لدرجة بحیث أنَّ أبي الحدید وصفه كما یلي قائلاً : « و إعلم أنّ التوحيد و العدل و المباحث الشريفه الإلهيه ما عُرِفَت إلّا من كلام هذا الرجل و أنّ كلام غيره من أكابر الصحابه لم يتضمّن شيئاً من ذلك أصلاً ولا كانوا يتصوّرونه و لو تصوّروه لذكروه، وهذه الفضيله عندى أعظم فضائله (ع) »  

    إنَّ كلّ الصحابة كانوا مقتنعین بأعلَمِیّته و أفضلیّته و ما كان أحدٌ یَری نفسه أکثرُ فضلًا من عليٍّ بن أبیطالب (ع). إنّه كان عالمًا بكتاب الله تبارك و تعالی و عاملاً به و كان یعرف كلّ التعالیم التي هي في القرآن الكریم و قد قال (ع) : « أيّها الناس سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن طرق السماوات فإنّي أعرف بها من طرق الأرض ». و هنالك ما یقارب 300 آیة تخصُّ فضائل و مناقب ذلك الإمام العظیم و منها آیة « التطهیر» و آیة «المباهله» و آیة «الولایة » و آیة «لیلة المبیت» و الكثیر من الآیات الأخری التي تخصُّ الغدیر.  كما و أنَّ هنالك الكثیر من الروایات حول عظمة تلك الشخصیّة الإلهیّة العظیمة في كتب الشیعة و كتب إخواننا من أهل السنّة مثل حدیث «المنزلة » و حدیث « باب العلم »  و حدیث « الثقلین » و حدیث « السفینة ».

    و هذه فرصة مناسبة لننظر بالعبرة و نفكّر في الوصایا الأخیرة التي قالها (ع) و هو علی فراش الشهادة، إذ أنَّ ذلک الإنسان الذي علی وَشَك ان یَترك الحیاة الدنیا و یُعاني ما یعانیه من ألم ضربة السیف علی رأسه، و لم یکن لیغفلَ أن یوصّي الناسَ بالهدایة و یعیّن لهم سبیل النجاة و هو علی تلک الحالة المؤلمة ، حیث کان یَجري علی لسانه الشریف، تلك الوصایا هي أحسن الوصایا التي یجب علی الناس أن یعتبروا بها طوال العصر و الزمان.

    كان یبدأ كلامه (ع) دائمًا بالحثّ علی التقوی و الإهتمام بها بكلّ تأكید و من أقواله: « أُوصِیكمَا وَ جَمِیعَ وَلَدِی وَ أَهْلِی وَ مَنْ بَلَغَهُ كتَابِی‏ بِتَقْوَى اللَّهِ » إنَّ إصراره علی التقوی لأنهّا هي سبیل الفوز بالكرامة في الحیاة الدنیا و السیطرة الذاتیّة علی النفس الأمّارة بالسوء و البقاء علی سبیل الرشاد لنیال السعادة في الأمور الفردیّة و الإجتماعیّة و السیاسیّة و العائلیّة و غیرها من الأمور الأخری.  ثمَّ توجّه في وصایاه إلی القرآن الكریم الذي هو كتاب الهدی و التقوی في حیاة الإنسان و قال: « و الله ألله فی القرآن لایسبقكم بالعمل به غیركم » إنَّ ما نراه هنا هو أنّه (ع) یقسم بالله تبارك و تعالی مرّتین لیبیِّن لنا أهمّیّة توصیته و لكي لا نفغل و نری أنَّ الآخرین یسبقوننا بالخیرات فلنسعی بها قبل الفوات.

    و ذكر في الفصل الثالث أهمّیّة الصلاة في قوله أنّها هي عمود الدین قائلا: « والله ألله فی الصلوة فانَّها عَمودُ دینِكم» و كان إصراره في تكرار القَسَم بالمولی العزیز القدیر هو أنّنا یجب أن لا نستخفّ بالصلاة و نؤدّي حقّها و الإهتمام بها فإنّها أقرب الوسائل للإرتباط بالله تبارك و تعالی.

    و كان الفصل الرابع یخصُّ الجهاد المقدّس ، أي الدفاع عن الكرامة الإنسانیّة أمام الأشخاص الذین یسحقون حقوق الإنسان تحت أقدامهم و یستعمرون الناس و یستثمرونهم بالظلم و العدوان و لذلك فإنَّ في الإسلام وجوب الدفاع عن النفس و هو الجهاد الذي یكون من الأركان التي لا یُستخفُّ بها و هي طبق المنطق و العقل و وسائل هذا الجهاد هي المال و النفس و اللسان كما نری ذلك في وصیّته قائلاً : « والله الله فی الجهاد بأموالكم وأنفسكم و ألسنتكم فی سبیل الله.» إنّ ما لا شك فیه هو أنَّ جهاد النفس هو عدم الخضوع لكلّ المیول النفسیّة و تجنّب الوقوع في المخادع الشیطانیّة

    و أمّا الفصل الخامس فكان یخصُّ فریضة الحجّ و قال فیه : « وَ اللَّهَ اللَّهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ، لاَ تُخَلُّوهُ مَا بَقِيتُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا.»

    و الفصل السادس هو التأكید علی وجوب الإصلاح بین المسلمین كما نری بیان ذلك في قوله (ع) :  « وَ صَلاَحِ ذَاتِ بَیْنِكمْ فَإِنِّی سَمِعْتُ جَدَّكمَا یَقُولُ صَلاَحُ ذَاتِ اَلْبَیْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ اَلصَّلاَةِ وَ اَلصِّیَامِ.» و إصلاح ذات البین یخصُّ الإتحاد بین المؤمنین و تجنُّب الحقد و الحسد. و المعنی الآخَر هو تجنُّب الخلافات و البغض بین الطبقات الإجتماعیّة.

    فإنَّ نظام المجتمع یجب أن یلبّي كلّ حاجات الأفراد و یوفِّر لهم ضروریّات الحیاة في النطاق المنطقي لتحقیق العدالة الإجتماعیّة و لكي یتضامن الناس فیما بینهم كما قال ذلك رسول الرحمة و الرأفة (ص): « المؤمِن مِنَ المؤمنين كالرأس من الجسد إذا إشتكی تداعی عليه ساير جسده.» و الفصل السابع مختصٌّ بحضانة الأیتام و قبولهم و مداراتهم كما قال (ع) : « و اَللَّهَ اَللَّهَ فِي اَلْأَيْتَامِ فَلاَ تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ وَ لاَ يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ .»

    و الفصل الثامن كان یخصّ مداراة الجیران و حسن التعامُل معهم: « وَاللَّهَ اللَّهَ فِي جِيرَانِكُمْ، فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ، مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا َأنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ .» كما قال رسول الله(ص) كُلُّ أَرْبَعِينَ دَاراً جِيرَانٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ وَ عَنْ يَمِينِهِ وَ عَنْ شِمَالِهِ.

    و الفصل التاسع كان یخصُّ قول الحقّ و الدفاع عن المظلوم : « قُولَا بِالْحَقِّ وَ اعْمَلَا لِلْأَجْرِ وَ كُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً وَ لِلْمَظْلُومِ عَوْناً »

    و الفصل العاشر هو توصیة مهمّة جدًّا فیما یخصُّ نظم الأمور في الحیاة في قوله (ع) : « أُوصِیكمَا وَ جَمِیعَ وَلَدِی وَ أَهْلِی وَ مَنْ بَلَغَهُ كتَابِی‏ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ نَظْمِ أَمْرِكم.»

    و أمّا ما یخصُّ تقسیم الساعات الیومیّة فإنَّ الرسول الأكرم (ص) وصّی به أبوذر قائلاً : «على العاقِلِ ما لَم يَكُن مَغلوباً على عَقلِهِ أن يكونَ لَهُ‏ ساعاتٌ: ساعَةٌ يُناجِى فيها رَبَّهُ ‏عزّ وجل، و ساعَةٌ يُحاسِبُ نَفسَهُ، وساعَةٌ يَتَفَكَّرُ فيما صَنَعَ اللَّهُ عزّو جل الَيهِ، وساعَةٌ يَخلُوا بِحَظِّ نفسِهِ مِنَ الحَلالِ فی المطعم و المشرب.»

    فالجدیر بالذكر هو أنَّ العاقل الذي لیس مغلوبًا لهوی النفس الأمّارة بالسوء یُقسِّم یومه إلی أربعة أقسام و هي : قسمٌ یُناجي فیه الله تبارك و تعالی. و القسم الآخر هو للتفكر في خلق السماوات و الأرض و ما بینهما و القسم الثالث یخصُّ محاسبة نفسه لیری ماذا عمل في یومه؟ و القسم الرابع یُخَصِّصه لقضاء الحلال من الحوائج النفسیّة و الجسمیّة مثل الأكل و الشرب.»

    و التأكید الشدید في هذه الوصیّة علی التوافق بین الحِكـَم النظریّة و الحِكـَم العملیّة ، إذ أنَّ الإنسان لا یستطیع أن ینال التوفیق في الأعمال ما لم یستفید من قابلیّاته الفكریّة القویّة و من دون معرفة أهدافه في المسیر نحو المقصد الذي یبتغیه،  و لذلك وصّی أمیر المؤمنین عليّ (ع) بكلّ تأكید علی الأنس بالقرآن الكریم الذي هو كتاب الحیاة.  

    و من الأمور الأخری المهمّة في هذه الوصیّة هي التوصیة للنظم في كلّ الأمور في الحیاة الشخصیّة و العائلیّة و الإجتماعیّة ، إذ لو لم یكن هنالك نظمٌ في حیاة الإنسان فسوف تفوته الكثیر من الفرَص و سوف لا یستطیع أن یأخذ من دار ممرِّه ذُخرًا إلی دار مقرِّه. فیستطیع الإنسان إذن فقط حین یستفید من كلّ ساعة في حیاته للقیام بأداء الواجبات التي علی عاتقه لیستمرّ في المسیر نحو الهدف النهائي للخلقة و تطبیق فلسفة الحیاة التي هي السعي الحثیث للتقرُّب إلی الله تبارك و تعالی. 

    فلو تمعنّنا في كلّ هذه الوصایا التي استعملها الامیر (ع) لم نجد أيُّ تعبیر معقّدٍ غیر قابلٍ للفهم و الإدراك، بل إنّ كلّ التعابیر هي ما تشیر إلی الأولویّات في الحیاة و تبین الواجبات التي علی الإنسان أن یعمل بها.  

    إنَّ وصایا ذلك الإمام المعصوم الزكيّ (ع) تشمل كلّ الخصائص الإنسانیّة و الحِكـَم الإلهیّة ، فهي التي تشرح أهمّ الحقول التي تخصُّ النشاطات التي یقوم بها الإنسان في حیاته و ذلك في العمل بالتعالیم القرآنیّة التي هي سرّ توفیق الإنسان، إذ أنَّ إصالة الإیمان هي من إصالة العمل و التأكید الحثیث في القرآن الكریم علی الإنسان أن یأخذ أحسن الأعمال في عمره المحدود لیصل إلی الحیاة الطیِّبة كما نری بیان ذلك في قوله تعالی : « مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مَن ذَكر أَوْ أُنثَی وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْیینَّهُ حَیاةً طَیبَةً.»

    نرجو الله تبارك و تعالی أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق لفهم المعارف الدینیّة الإسلامیّة ونسأله جلَّ وعلا أن یُوَفِّقنا  للتعمُّق في خشیته و طاعته بالرغبة و المحبّة له و لأولیائه و أن نكون خلوقین محسنین تجاه الآخرین من عباده و أن نحمده و نشكره علی كلِّ ما وهبنا من الهُدی وأن نهتمّ بكلِّ ما في وسعنا لمعرفة سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.

    والسلام علیكم و رحمة الله و بركاته


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :