facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 56390
    تاريخ نشره : 7/26/2014 6:55:58 PM

    الخطیب: مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله رضا الرمضاني

    المعارف الإسلامیّة (121) الإسلام و الشریعة (15)

    إنَّ الكثیر من الأمور التی فیها قصور من الجانب الأخلاقی لایمكن تعقیبها و المجازات علیها من الجهة القانونیة و لكن هذالا یدلّ علی أن لا مسؤلیّة للإنسان تجاهها، و السبب فی ذلک هو أنَّ الأمور الروحیّة أوسع حوزةً من التكالیف الإجتماعیّة و الحقوقیّة. و المجتمع الاسلامی فی نظر القرآن الكریم ، هو المجتمع الذي تسوده الإلتزامات الأخلاقیّة و القانونیة و الفقهیّة.

                                                                                      بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .

     

    الإرتباطات بین الأحكام الفقهیّة و الخصائص الأخلاقیّة

    إنَّ من الأمور التي علیها التأكید الحثیث في الدین الإسلاميّ المبین هو الإلتزام بالأحكام الفقهیّة و التمسُّك بها و العمل بما أمرنا الله تبارك و تعالی و التجنُّب عمّا نهانا. فإنَّه جلَّ و علا یعلم ما ینفعنا و یعلم کیف ینشّط الإستعدادات و القابلیّات التي تَفَضّلَ بها علینا لكي نتوصّل بها إلی الكمال المُستهدَف في خلقة الإنسان و لا یمكن التوصُّل إلی الأهداف العالیة من دون قبول تلك الأحكام و العمل بها، فمن الذي یعلمُ کلّ ذلك غیر الذي خلق الإنسان.  

    فعلینا أن نلتزم بالأحكام الأخلاقیّة، إذ أنَّ الأحكام الفقهیّة و الحقوقیّة تستند علی الأحكام الأخلاقیّة بكلّ دقّة، أي بتعبیر آخَر هنالك تأثیر متبادَل بین الجهتین فعلی سبیل المثال أنَّ الصیام من الأحكام الواجبة في الإسلام و كلّ المذاهب الإسلامیّة متمسّكةٌ بوجوبه، حیث یتّفق الجمیع بأنَّ الصیام من الأسس الدینیّة و أنَّ هذه الأحكام الإلهیّة لها تأثیرها و نتائجها الحسنة في الدنیا و الآخرة و أهمّها هي التقوی كما نری بیان ذلك في القرآن الكریم  في قوله تعالی:

    « يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون‏ »

    تُشیر الآیة الكریمة الی أنَّ هنالك إرتباط وثیق بین الصیام و التقوی، أي أنَّ المؤمن یتوسّم بالتقوی حین یقوم بأداء هذه الفریضة، كما و أنَّ التقوی تهیّئ الأرضیّة للمزید من التمتُّع و التمعُّن في الآداب و الأسرار التي تکمن في هذا الواجب الإلهيّ للإنسان. هذا من جانب و من جانب آخَر تشیر بعض الآیات الی وجود ترابط بین الصیام و الشُكر و الفلاح و النجاة.

    و ما نستنتجه من هذه الإرتباطات التي بین الأحكام الشرعیّة و السُنَن الأخلاقیّة أوّلاً هي أنّ التأثیر و التأثُّر یكون متبادلًا  فیما بینهما و ثانیًا هنالك إلتزامٌ بینهما. و النتیجة هي أنَّ هذین الأمرین لهما دورهما المؤثِّر في سعادة الإنسان و كماله.

    و في بیانٍ مجملٍ یمكن أن نقول بأنَّ في القرآن الكریم تشریع الأحكام الفقهیّة التي تُبَیِّن المصالح و المفاسد من الأفعال التي لها تأثیرها في التكامل الإنسانيّ و هي إلزامیّة للإنسان المسلم و تكون نتائجها هي المظاهر الأخلاقیّة. كما و نستطیع أن نقول بكلّ جدّ بأنَّ الكثیر من الأمور الأخلاقیّة هي من الأهداف الفقهیّة.

    و نری بیان كلّ ذلك في الكثیر من الآیات في القرآن الكریم و منها الآیة 2 من سورة المائدة في قوله تعالی : « وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَديدُ الْعِقاب‏ » و ما نراه في هذه الآیات الكریمة هو أن لا تفكیك بین الأخلاق و الفقه و منها هذه الآیة في قوله تعالی : « إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَ یَنهی‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون‏ » و ما یجلب الأنظار هو أنَّ العدل و الإحسان مقرونَین في الآیة الكریمة و أنَّ الله جلَّ و علا یأمُرُنا بهما علی حدٍّ سواء.  

    تأثیر الصلاة في القِیَم الأخلاقیّة:

    لا بأس أن نذكر هنا الإرتباط العمیق بین الصلاة و الكثیر من الأمور الأخلاقیّة بدایة من ذكر الكثیر من الأحكام و الآداب و الأسرار التي فیها و التي لكلٍّ منها مباحث و مسائل كثیرة تخصّها. و لكن حین نتطرّق إلی آثار الصلاة في نفس الإنسان حین یقیمها ساعيًا بها القربة إلی الله عزّ و جلّ و من آثارها هو الإبتعاد عن الرذائل الأخلاقیّة مثل التكبُّر و الحسد و الأنانیّة و الحضور القلبيّ و الخشوع و الخضوع فیها و یحسُّ الإنسان و كأنّه في العروج الروحيّ المعنويّ.

    إنَّ الكثیر من هذه الآثار مذكورة في الآیات و الروایات و ما نستنتجه منها هو أنَّ الصلاة هي فریضة مهمّة كتبها الله تبارك و تعالی لنا لنرتقي بها إلی مراحل الرشد و التزیُّن بالفضائل و الإبتعاد عن الرذائل و المساوئ ، للتقرُّب إلیه جلَّ و علا.  کما و إنّنا نری أنَّ الأمور الأخلاقیّة و القیَم الدینیّة لها تأثیرها العمیق في نشر الثقافة و الحضارة و الصلح و الإصلاح في المجتمعات و خصوصًا في ما یخصُّ الإرتباطات بین الناس لدرجة ، بحیث أنَّ الأرضیّة تتمهّد بها لأداء التکالیف الشرعیّة و القانونیّة سواءًا إن كانت من وجهة نظر العبادات أو المعاملات أو الأحكام أو القوانین المدنیّة و الإجتماعیّة.

    إنَّ المجتمع الذي لا تسود فیه الأخلاق یبتعد عن الهویّة الفردیّة و الإجتماعیّة و الإنسانیّة و لا تتوفّر فیه وسائل معرفة المسؤلیّات التي علی عاتقه لأدائها بصورة صحیحة. ولذلك نری في القرآن الكریم بیان إلتزام المسلم بالواجبات و أدائها و التنحّي عن المحرّمات و ترکها و من لم یعمل بهذه التعالیم، فإنَّه یَحرِم نفسه من السعادة و نری نفس الحالة في التأكید علی الإلتزام بما یخصّ الأخلاق و إتِّباع القوانین و الأصول الأخلاقیّة مثل الأحكام الفقهیّة و الحقوقیّة لكي یسیر المجتمع الإنسانيّ نحو السعادة بصورة جدیرة و محترمة لیصل الكمال المطلوب.    

    إنَّ الكثیر من الأمور التی فیها قصور من الجانب الأخلاقی لایمكن تعقیبها و المجازات علیها من الجهة القانونیة و لكن هذالا یدلّ علی أن لا مسؤلیّة للإنسان تجاهها، و السبب فی ذلک هو أنَّ الأمور الروحیّة أوسع حوزةً من التكالیف الإجتماعیّة و الحقوقیّة. و المجتمع الاسلامی فی نظر القرآن الكریم ، هو المجتمع الذي تسوده الإلتزامات الأخلاقیّة و القانونیة و الفقهیّة.

    و لذلك فیجب أن نلتزم بكل تلك الأحكام و نهتمّ بها لكي نتوصّل إلی الفلاح و النجاح كما نری بیان ذلك في الآیة الثانیة من سورة الجمعة في قوله تعالی : « هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفي‏ ضَلالٍ مُبين ‏».

    و هكذا نری أنَّ من جملة أهداف رسالة الرسول الأكرم (ص) كان تعلیم الكتاب و الحكمة أي الجمع بین هذین النوعین من الأحكام التي هي تعلیم الكتاب و الحكمة و كذلك الأمر فیما یخصُّ  تزكیة النفس و تهذیبها لكي ینال الإنسان ما وعده الله جلَّ  وعلا في محكم كتابه المبین في قوله تعالی « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها» وخصوصًا ما نراه في مصیر أولئك الذین یطیعون الله و رسوله ، فأولئك هم الذین تخصُّهم هذه الآیة الكریمة في قوله تعالی : « مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظيما».

    نرجو الله تبارك و تعالی أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق لفهم المعارف الدینیّة الإسلامیّة ونسأله جلَّ وعلا أن یُوَفِّقنا  للتعمُّق في خشیته و طاعته  بالرغبة و المحبّة له و لأولیائه و أن نكون خلوقین محسنین تجاه الآخرین من عباده و أن نحمده و نشكره علی كلِّ ما وهبنا من الهُدی وأن نهتمّ بكلِّ ما في وسعنا لمعرفة سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.     

    والسلام علیكم و رحمة الله و بركاته


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :