facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 59541
    تاريخ نشره : 9/19/2014 4:23:41 PM

    المعارف الإسلامیّة (125) الإسلام و حقوق الإنسان (1)

                                                              
    الخطیب: مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    19.09.2014



     بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .

    الموضوع : المعارف الإسلامیّة (125) الإسلام و حقوق الإنسان (1)

    من الأمور التي لها أهمّیّتها الخاصّة و علیها التأكید الحثیث في الإسلام من جمیع وجهات النظر الإنسانیّة هي قضیّة حقوق الإنسان و لو إن تمعنّنا في الأصول الأساسیّة في الأدیان الإلهیّة ، لرأینا نفس التأكید فیها أیضًا. إنَّ كلّ الأدیان الإبراهیمیّة لها دورها المؤثِّر في ترویج حقوق الإنسان و لذلك فإنَّ قضیّة حقوق الإنسان كان الكلام عنها طوال التأریخ كما و كان للأدیان الإلهیّة دورها المهمّ في تعیین هذه الأمورو لذلك فإنَّ مالا شك فیه هو أنَّ الأنبیاء كانوا دائمًا في صدد تعریف كنه الإنسان و حكمة وجوده علی وجه البسیطة و أصول معاملته مع الآخرین و مع الطبیعة، إذ أنَّ في خلقة الإنسان حكمة و هدفٌ مهمٌّ جدًّا.  

    إنّ الإنسان خُلِقَ لیتمعّن في نفسه و یستفید ممّا تفضّل الله تبارك و تعالی علیه من نِعَمٍ لا تعدُّ و لا تحصی و منها مختلف القابلیّات ، و هذا التمعُّن هو ما لا یحصل لو لم یتجنّب الإنسان المساوئ و الرغائب الطاغوتیّة لیتوجّه إلی التقوی ، كما و ما لا شك فیه هو أنَّ الأنبیاء و الرُّسُل الذین بَعثهمُ الله تبارك و تعالی كانوا یتواجهون مع الكثیر من الناس الذین كانوا یتسلُّطون علی الآخرین لیجعلوهُم تحت سیطرتهم و یستثمرونهم و یغتصبوا مالهم و كیانهم و یسحقوا حقوق الإنسان بالظلم و العدوان. 

    و لذلك فإنَّ الأنبیاء الذین أرسلهم الله تبارك و تعالی طوال تأریخ الإنسانیّة ، كانوا یقفون بعزمٍ و صبرٍ أمام الطغاة الذین كانوا يستغلّون الناس لیغصبوا أموالهم و یسحقوا حقوقهم و كان الأنبیاء یسعون لهدایتهم لتحقیق العدالة الإجتماعیّة و نفي التبعیض بین الناس بسبب نسلهم و منشأِهِم و الإمتیازات التي كانوا یحسبونها لأنفسهم لیکونوا أعلی من الآخَرین.

    فنری في سبیل المثال النبيّ إبراهیم (علیه السلام) حین وقف أمام طاغوت زمانه نمرود الذي كان یدّعي أنَّه هو الربّ.  و قد أذهَبَ إبراهیم (ع) سلطة نمرود الذي كان یستعبد الناس و یجعلهُم تحت سیطرته و یقتلهم و یسلب أموالهم و یتصوّر أنّه هو الربّ الذي بیده حیاتهم و مماتهم كما نری بیان ذلك في القرآن الكریم في الآیة 285 من سورة البقرة في قوله تعالی: « أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذي حَاجَ‏ إِبْراهيمَ‏ في‏ رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهيمُ رَبِّيَ الَّذي يُحْيي‏ وَ يُميتُ قالَ أَنَا أُحْيي‏ وَ أُميتُ قالَ إِبْراهيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتي‏ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذي كَفَرَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمين‏» ([1]) و إنَّ ما نستنتجه من هذه الآیة الشریفة هو أنَّ طغیان نمرود و إستكباره كان قد أدّی به إلی أن یظنَّ أنَّ حقّ حیاة الناس بیده.   

    و هنالك تقابُلٍ آخَر جاء ذكره في القرآن الكریم بالتفصیل ألا و هو ما جری بین النبيّ موسی بن عمران (علیه السلام) و فرعون الذي کان الحاکم الطاغي المستبدّ في زمانه. إذ أنَّ فرعون كان یُقسِّم الناس إلی فریقین و هما المُمتازین و المستضعفین ، فالمستضعفین هم الذین لا یوجد لهم أيِّ نوعٍ من الحقوق و كان تحقیرهؤلاء المستضعفین لدرجة بحیث أنّه كان یقتل أيٍّ منهم لأهون الإسباب و لذلك وقف النبيّ موسی (علیه السلام) أمامه بكلّ عزمٍ و شدّة و قاوم ظلمه و طغیانه بأمره و عونه تعالی إلی النهایة كما نری بیان ذلك في القرآن الكریم في قوله تعالی : « إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. » ([2])

    كما و إنّنا نری في الآیة 39 و ما یلیها من نفس السورة فرعون كان یسحق حقوق الإنسان هو وجنوده كما نری بیان ذلك في في قوله تعالی : « وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ(41) » ([3])

    ولكنّ الله تبارك و تعالی أرسل النبيّ موسی (ع) لیقف أمام إستكبار فرعون و طُغیانه و للدفاع عن حقوق الإنسان و لكي یستطیع الجمیع أن یعیشوا في عزّة و كرامة. و ما رُوِيَ عن النبيّ عیسی (ع) هو أنّه وقف أمام الإنحرافات الدینیّة و الإستبدادات المذهبیّة التي کانت سائدة في زمان بعثته وقد نشر بلاغ الصلح و المحبّة و الأخوّة لجمیع الناس في تلک الحضارة المنحطّة ، فإنّه قد مهّد بمواعظه و نصائحه سُبُل نشر السعادة في البشریّة. کما و إنّنا نری في القرآن الکریم و التعالیم و المواعظ التي جاء بها رسول الرحمة والصلح والسلام الذي هو نبيّ الإسلام المصطفی الأمجد أبو القاسم محمّد (صلی الله علیه و آله و سلّم) للدفاع عن حقوق الإنسان ، کانت لحفظ الحقوق لجمیع الناس علی حدٍّ سواء.  و ما نراه عند مطالعة ما کان یسود المجتمعات في زمان الجاهلیّة ، نری أنَّ الرسول الأکرم (صلی الله علیه و آله و سلّم) کان یری نشر الدفاع عن حقوق الإنسان في البشریّة بأجمعها من أهمّ البلاغات التي کانت من أرکان رسالته، إذ أنّ کلّ همّه (ص) کان هو أن لا یُحرَم أيِّ إنسان من حقّه و أنَّ علی الحُکّام أن یؤدّوا حقوق الناس إلیهم في أيِّ زمانٍ و مکان ما کان و أن یکون حثیث مساعیهم طوال زمان حکمهم أداء حقوق الناس إلیهم في کلّ مجالات الحیاة و خصوصًا في الأخذ و العطاء.

    إنَّ الوقوف أمام المشاکل التي کانت تسود تلک المجتمعات والسعي لحلّها سواءً إن کانت في المجالات الأخلاقیّة، الإقتصادیّة، الثقافیّة، الدینیّة ، السیاسیّة أو الإجتماعیّة في زمان الرسول الأکرم (ص) ، هي من أحسن الشواهد الدالّة علی السعي الأکید للدفاع عن حقوق الإنسان من وجهات النظر الإسلامیّة أو ما هو في الأدیان الإلهیّة الإبراهیمیّة أیضًا.

    و في سبیل المثال نری التحلیل الذي قام به أمیر المؤمنین (ع) للجاهلیّة التي کانت صِرف الحضارة المعادیة لحقوق الإنسان و فیه نری أنَّ بیان حقیقة أنَّ الأنبیاء وخصوصاً خاتمهم وعلی أوج قدسیّتهم هوالرسول الأکرم المصطفی الأمجد أبوالقاسم محمّد (صلی الله علیه وآله) و هم جمیعًا کانوا خیر الشهود للدفاع عن حقوق الإنسان من وجهة النظر العدل الإلهيّ في الأدیان الإبراهیمیّة کلّها.   

    و کذلک ااأمر التحلیل الذي جاء به أمیر المؤمین (علیه السلام) فیما یخصُّ الحضارة الجاهلیّة التي کانت تمامًا ضد حقوق الإنسان و ذکره هنا یبیِّن لنا حقیقة أنَّ الأنبیاء الإلهیِّن و علی رأسهم الرسول الأکرم (صلی الله علیه و آله) کان له أهمّ دورٍ في تبیان حقوق الإنسان و نشرها في المجتمعات البشریّة. إنَّ أمیر المؤمنین عليٌ (علیه السلام) قال في وصف الحضارة المنحطّة فيي زمان الجاهلیّة وحین بدأت رسالة الرسول الأکرم (صلی الله علیه و آله) أنَّ الله تبارک و تعالی: « أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وَ طُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَ اعْتِزَامٍ مِنَ الْفِتَنِ وَ انْتِشَارٍ مِنَ الْأُمُورِ وَ تَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ » ([4])

    و حین بدأ الوحي لسیّد الأنبیاء رسول الله (صلی الله علیه و آله) کانت قد مضت مدّة طویلة عن الأنبیاء الذين کانوا قبله و في ذلک الزمان کانت الأمم في نوم الغفلة و الفِتَن منتشرة مؤثِّرة في تلاشي القِیَم الأخلاقیّة في المجتمعات وإشعال الحروب بین الشعوب و قال في مجالٍ آخَر: « إنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمّدًا (ص) نذیرًا للعالمین و أمیناً علی التنزیل و أنتُم مَعشَر العَرَب علی شرِّ  دِینٍ  و في شرِّ دارٍ مُنیخون بین حجارة خُشنٍ و حیاةٍ صُمٍّ ، تشربون الکِدَر و تأکلون الجَشَب و تسفکون دماءَکُم و تقطعون أرحامکم ، الأصنام فیکم منصوبة و الآثام بکم معصوبة»([5])  

    و لذلک فلا شکَّ في أنَّ في التعالیم العالیة التي جاء بها الإنبیاء الإلهیّین هي من أهمّ النصوص لتعیین حقوق الإنسان من قبیل حفظ کرامة الإنسان و حرّیّته و الحقوق الإجتماعیّة و السیاسیّة، العدالة الإجتماعیّة و عدم التبعیض العنصريّ و اللغويّ أو القوميّ و هلمَّ جرّا . علی أحسن وجه ما یکون. و سوف نتطرّق في الخُطَب المُقبلة إلی تلک المواضیع و خصوصًا إلی بنود حقوق الإنسان المصوّبة في تأریخ 26/8/1789 و إعلامیّة حقوق الإنسان الإسلامیّة التي صُوِّبَت في تأریخ ه/8/1990 في القاهرة.

    نرجو الله تبارك و تعالی أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق لفهم المعارف الدینیّة الإسلامیّة ونسأله جلَّ وعلا أن یُوَفِّقنا  للتعمُّق في خشیته و طاعته  بالرغبة و المحبّة له و لأولیائه علی عتبة رحمته و أن نكون خلوقین محسنین تجاه الآخرین من عباده و أن نحمده و نشكره علی كلِّ ما وهبنا من الهُدی وأن نهتمّ بكلِّ ما في وسعنا لمعرفة سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.                                                                                                

    معاني التعابیر: حجارة خُشنٍ: الصحراءالجافّة الحارّة، حیاةٍ صُمٍّ: حیاة بین الحشرات والحیّات والأفاعي، تأکلون الجَشَب: أغذیتکم غیر

    هنیئة مریئة                                                                                                 والسلام علیكم و رحمة الله و بركاته



    [1]  سورة البقره الآیة 258

    [2] . سورة القصص، الآیة 4.

    [3] . سورة القصص الآیة 39 و ما بعدها.

    [4] . نهج البلاغه، خطبة 88.

    [5] . نهج البلاغة، خطبه 26


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :