facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 60920
    تاريخ نشره : 10/10/2014 5:11:35 PM

    الكیان العائليّ في القرآن الكریم ـ10ـ (التوبة و الرجوع الی الله سبحانه)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل حجة الإسلام و المسلمین الترابي

    الموضوع: الحیاء و العفاف، عوامل ثبات الكیان العائليّ

    10.10.2014



    بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله رب العالمین، بارئ الخلائق أجمعین، نحمده و به نستعین، ونشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شریك له، و نشهد أنَّ محمدًا عبده و رسوله صلی الله علیه و آله. اللهم صلّ علی علی امیرالمرمنین و فاطمه الزهرا البتول و الحسن و الحسین سیدا شباب اهل الجنه و تسعه المعصومین من ولد الحسین، علی بن الحسین..... علیه و علی آله أفضل الصلاة و السلام و علی صحبه المنتجبین. عباد الله أوصیكم و نفسي بتقوی الله ، فإنَّ خیر الزاد التقوی.

    إنَّ الموضوع الذي نستمرُّ فیه هو « مكانة العائلة في القرآن الكریم » و قد تطرّقنا إلی أوّل عائلة جاء ذكرُها في القرآن الكریم لنتعلّم منها الدروس الأخلاقیّة التي تخصُّ العائلة. والیوم یكون كلامنا عن « التوبة و الرجوع الی الله سبحانه». قال الله تبارک و تعالی: « فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَیْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِیمُ (البقره/ 37) قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا (الأعراف/23) ثم اجتباه فتاب علیه و هدی (طه 122) »

    المقدّمة:

    إنَّ الآیات المذكورة تشیر الی زمان قد تألّفت فیه العائلة الصغیرة المؤلّفة من آدم و حوّاء بعد الذی وقعا في مخادع الشیطان الرجیم و بعد ان خدعهما بالوسوسه و انساهما عن العهد الإلهيّ و كان ذلك ما أدّی بهم إلی الحرمان من  الجنّة و الوقوع في المشاكل.

    و كان الإنخداع بالوسواس الخنّاس لم یؤدّي إلی النتائج السلبیّة فقط، بل إنّهُم وقعوا تحت ملامة ربّ العالمین جلّ و علا و تاهوا و انفصلوا عن بعضهم و في الآیات التي تخصُّ هذه الحوادث بیانُ ندامة أدم و حوّاء (ع).

    و ما یبدو لنا هو أنَّ هذه الندامة أو أوّل آثارها قد خطرت علی بالهما بلاتراخ بعد اکلهما الثمره الممنوعه. و كلّ ما مرّ الزمان كانت ندامتهم تزداد أكثر فأكثر. و لكنّ الأثر الطبیعي من جرّاء أكل الثمره الممنوعه لم یكن قابلاً للتجنّب و بمجرّد أكلهم تلك الثمرة فقدوا إمكانیّة العودة ألیها.  فعلی أيِّ حال إنَّ أدم و حوّاء (ع) قد تندّموا و سعوا للتوبة كما نری بیان ذلك في سورة الأعراف و كان نهایة الأمر هو أنّ الله تبارك و تعالی قبل التوبة منهم، بل و من أجل هذه التوبة الصادقة إنتخبه الله جلّ و علا و إنتخبه مرّة أخری و أعاده إلی زوجته وتكوّنت العائلة من جدید. و فی الایات الشریفه مطالب متعدّده و یمکن ملاحظه بعض المطالب منها فی هذه الخطبه:

    المطلب  الأوّل:

    التوبة تاره یکون من العبد و تاره یکون من الرب سبحانه. فالتوبه من العبد هي بمعنی الندامة و السعي للإمتناع من الوقوع في المعصیة مرّة أخری. و التوبة من الباري جلّ و علا هي منح التوفیق للعبد التائب اوّلا و قبول الندامة منه ثانیا. فتعبیر « فتاب علیه » تشمل جمیع تلک المعانی، یعنی ان الله تعالی منحهما توفیق التوبه اولا فتابا الی الله سبحانه و بعد ذلک الله تبارک و تعالی قبل منهما التوبه.

    إنَّ التوبة و التوجُّه إلی الله تبارك و تعالی من إرتكاب خطیئة هو أمرٌ فطريٌّ في ذات الإنسان، كما نری ذلك فیما جری لأبونا أدم و امنا حوا (ع) من بعد وقوعه في تلك المزلّة. فما لا شك فیه هو أنَّ التوبة واجبة حین یصحی الإنسان من بعد أن وقع في العمل الحرام كما و أنَّ التوبة عن ترك الواجبات هو واجبٌ أیضًا. و لكن التوبة مستحبّة عما وقع الإنسان فیه عند القیام بعملٍ مكروه أو حین یكون قد ترك أمرٌ مُستحبّ. 

      المطلب الثاني:

    نری في بعض الروایات أنَّ آدم و حوّاء (ع) حین أُخرِجُوا من الجنّة كانوا قد نزلوا إلی الكرة الأرضیّة و ذلك في بقعة مكة المكرّمة.

    فنزل آدم (ع) علی « جبل صفا » قرب المكان الذي شُیِّدت علیه الكعبة و سكن هناك. و بما أنَّ آدم كان قد إصطفاه الله تبارك و تعالی ، سمّيَّ ذلك الجبل، بجبل « صفا » كما و أنَّ حوّاء (ع) قد نزلت علی جبل « مروة » الذي هو قرب جبل صفا و سكنت هناك و إسم مروة هو بمنزلة « مرأة » أي حوّاء التي كانت قد سكنت هناك. 

     و وفقًا لروایة عن الإمام الصادق (ع) حین نزل آدم (علیه و علی نبیّنا الصلاة و السلام) كان من بعد إخراجه من الجنّة و الهبوط إلی الدنیا كان یبكي صباحَ أربعین یومًا و تجری دموعه و هو ساجدٌ ، فنزل علیه جبرائیل (ع) و سأله قائلاً : یا آدمُ لماذا تبكي ؟ فأجابه قائلاً : كیف لا أبكي و قد أبعدني الله تبارك و تعالی عن جواره و أهبطني ألی الدنیا ؟  فأجابه جبرائیل (ع) قائلاً ما محتواه : « یا آدم تب إلی الله تبارك و تعالی و عُد إلیه جلّ و علا! » فأجابه آدم (ع) كیف أتُوب ؟ فعلّمه جبرائیل(ع).

        المطلب الثالث :

    روی عن إبن عبّاس أنّه قال: سألتُ رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلَّم عن الكلمات التي إلتقاها آدم (ع) من الله تبارك و تعالی و بها قبل الله جلّ و علا منه التوبة ؟  فأجابني (ص) قائلاً ما محتواه : إنَّه سأل الله تبارك و تعالی أن یقبل توبته بحقِّ محمّدٍ و عليٍّ و فاطمة و الحسن و الحسین ، فإستجاب له الله جلَّ و علا و قبل توبته. (كشف الغمه، ج 1 ص465؛ العمده، ص 379)   

    الموضوع الرابع :

    إنَّ الدعاء و التوسُّل إلی الله تبارك و تعالی و الرجاء لعفوه هي إحدی الحوائج المعنویّة لحفظ كیان العائلة و من عوامل السعادة للعوائل ، و خصوصًا حین یجتمع الكثیر من الناس لقرائة الأدعیة و ذكر الحوائج كما قام به أبونا آدم (ع) و أمّنا حوّاء (ع) حین طلبوا العفو و المغفرة منه جلّ و علا بصوتٍ و تعبیرٍ فیه التوافق كما جاء بیان تلك الأدعیة المشتركة في الآیة المذكورة أعلاه في قوله تعالی : « قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ»     

    المطلب الخامس :

    إنَّ التوبة و الندامة التي أحسَّ بها آدم (ع) و حوّاء (ع) أصبحت عاملاً لسعادتهم. ولا بأس أن یتقبَّل کلّ إنسان عاقل خطیأته و لا یتکبّر أن یعتذر لما أخطأه و لا ینکره و خصوصًا في الجوّ العائليّ و یتحمّل المسؤلیّة لما إشتبه فیه و یسعی لجبرانها. و حین یقول البعض أنَّ کلام الرجل هو کلامٌ واحدٌ ، لا مصداق لهذا الکلام في کلّ مجال. إذ أنَّ الرجل لو علِمَ أنّه قد إشتبه في أمرٍ ما ، فمن الأخلاق الحسنة هي أن یعتذر و یسعی لتصحیح ما أخطأه ، إذ أنَّ الإصرار علی الخطأ في الکلام أو في العمل هو الإشتباه الأکبر.     

    فکم من عوائلٍ یرتکب فیها الزوج أوالزوجة خطیئة و یمتنعون عن قبول أنّهُم قد أخطأوا بکلّ إصرار أمام الأطفال و یتکبّرون عن الإعتذار عن ما حصل لهم و یسرحون بذلک إلی مضائق و نظرة أسوأ فأسوأ عند الآخرین من أعضاء العائلة. و المشکلة الکبیرة هي أنَّ الأطفال الصغار یقتبسون هذا التصرُّف و یظنّون أنّه هو الأسلوب المُجاز الصحیح.

    و هذا التصرُّف هو إحدی المکاید الشیطانیّة الأخری و نقاط الضعف في شخصیّة الإنسان و الوالدین و خصوصًا حین یُسیطر الضعف السلوکي و الأخلاقيّ علی الإنسان و یمنعه عن الإعتذار عمّا حصل منه.

    فإذا کان الإنسان في العائلة التي هي الحجر الأساسي لبناء المجتمع یتصرّف هکذا و لا یعتذر لما أخطأ ، فسوف تُصاب العائلة الکبیرة التي هي المجتمع الذي یعیش فیه بنفس المشاکل و تنتشر هذه الخصال الردیئة فیه و هي المشکلات التي نُعاني منها الآن.        

    و لذلک نری أنَّ الأشخاص الذین ساهموا في تربیة الإرهابیّین و هدّوهم علی الناس في مختلف المناطق و نری الیوم أنَّ غرورهم و تکبُّرهم و أنانیّتهم الکبری لا تسمح لهُم بأن یعتذروا من جرائمهم عند العائلة الإجتماعیّة التي أصابوها بالمساوئ و الجرائم و الکوارث. و إن أرادوا أن یعتذروا ، فالذین فوقهُم یمنعونهم بکلِّ شدّة و عنفٍ عن ذلک.

    نسأل الله تبارك و تعالی التوفیق لمرضاته.                                                                                                                                                                                                                                                                         

    اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا تَوْفِيقَ الطَّاعَةِ وَ بُعْدَ الْمَعْصِيَةِ وَ صِدْقَ النِّيَّةِ وَ عِرْفَانَ الْحُرْمَةِ وَ أَكْرِمْنَا بِالهُدَى وَ الاسْتِقَامَةِ وَ سَدِّدْ أَلْسِنَتَنَا بِالصَّوَابِ وَ الْحِكْمَةِ وَ امْلَأْ قُلُوبَنَا بِالْعِلْمِ وَ الْمَعْرِفَةِ وَ طَهِّرْ بُطُونَنَا مِنَ الْحَرَامِ وَ الشُّبْهَةِ وَ اكْفُفْ أَيْدِيَنَا عَنِ الظُّلْمِ وَ السِّرْقَةِ وَ اغْضُضْ أَبْصَارَنَا عَنِ الْفُجُورِ وَ الْخِيَانَةِ وَ اسْدُدْ أَسْمَاعَنَا عَنِ اللَّغْوِ وَ الْغِيبَةِ وَ تَفَضَّلْ عَلَى عُلَمَائِنَا بِالزُّهْدِ وَ النَّصِيحَةِ وَ عَلَى الْمُتَعَلِّمِينَ بِالْجُهْدِ وَ الرَّغْبَةِ وَ عَلَى الْمُسْتَمِعِينَ بِالاتِّبَاعِ وَ الْمَوْعِظَةِ وَ عَلَى مَرْضَى الْمُسْلِمِينَ بِالشِّفَاءِ وَ الرَّاحَةِ وَ عَلَى مَوْتَاهُمْ بِالرَّأْفَةِ وَ الرَّحْمَةِ / 

    قراءت سوره­

                                                                                                                           آمین یا ربِّ العالمین

                                                                                                               والسلام علیكم و رحمة الله وبركاته 

     



    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :