facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 61570
    تاريخ نشره : 10/24/2014 7:13:18 PM

    البلاغ یکمن فی عاشورا

    الخطیب:مُقامة مِن قِبَل حجة الإسلام و المسلمین إسماعیل الأنصاري

    24.10.2014

                                           


    بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین بارئ الخلائق أجمعین نحمده و به نستعین و نشكره علی نعمه وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    أیتها الأخوات و الإخوة الحاضرین ، أودُّ أن أقدِّم لكم التعازي بمناسبة وصول شهر محرّم الحرام الذي هو شهر إستشهاد سیّد الشهداء أبو عبد الله الحسین (ع) و أصحابه الكرام و بما أنّنا علی عتبة شروع هذا الشهر الملیئ بالأحزان ، فلا بأس بالكلام في خطبة هذا الیوم عن بعض الأسرار و الحِكـَم التي تكمن في وقعة عاشوراء، و ما لا شك فیه هو أنَّ هذا المجال لا یتّسع للكلام عن كلّ الحِكـَم في تلك المئاسي و سوف نتطرّق إلیها في الأیّام المقبلة علی منبر العزاء الحسیني أن شاء الله تبارك و تعالی لنا التوفیق.        

    إنَّ الأدیان الإلهیّة هي التي قد أسنّها الله تبارك و تعالی لنجاة الإنسان من الجهالة و الضلالة و لیُریهُم المسیر نحو السعادة. إنَّ كلّ الأنبیاء الذین أرسلهم الله جلّ و علا ، كانوا قد سعوا لنشر القوانین و البرامج الإلهیّة التي هي السبیل الوحید لنیال السعادة في الحیاة الدنیا في المجتمعات البشریّة و نجاتهم من الظلمات و لیتوجّهوا إلی الحقّ و الهدایة.

    و كانت هذه الرسالة علی عاتق الأنبیاء طوال تأریخ الإنسانیّة و هم الذین كانوا خیر أسوة للمتقین بل و للناس أجمعین ، كما نری بیان ذلك في قوله تعالی : « لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَ سُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ . . » و هم الذین جاؤا لنشر الصلح و السلام و المحبّة ولهدایة الناس إلی السبیل الصحیح للإعتدال في البشریّة.      

     فحین تنتشر القوانین الإلهیّة في المجتمعات یتنحّی عنها كلّ ظلمٍ و جور و الحقد و الحسد و الإفراط و التفریط وفي تعبیر واحد تزول الجهالة منها و ما لا شك فیه هو أنَّ الجهل منشأ كلّ المشاكل في المجتمعات البشریّة. و حین یسود الجهل في المجتمع فسوف تسود الظلمات في الأجواء الإجتماعیّة و تنتشر العداوات فیها كما جاء بیان ذلك في قول الإمام عليّ بن أبیطالب (ع) « الناسُ أعداءُ ما جَهَلوُا » 

     و حین إرتحل خاتم الأنبیاء المصطفی الأمجد أبو القاسم مُحمّد (ص) إلی لقاء ربّه جلّ و علا أودع رسالة الهدایة للبشریّة إلی أهل بیته الكرام. فهم الذین كانواقد إستمرّوا في إبلاغ ما كان علی عاتقهم بأحسن و أجمل ما کان من بلاغات الإسلام في العقلانیّة ونشر الصلح و السلام و المحبّة و الإحترام و الأخلاق الإسلامیّة السامیة الملیئة بالمعنویّات لنشر الإعتدال  بین الناس و لحفظ المجتمعات الإسلامیّة و البشریّة في خیر ما یكون من بعد النبيّ الأكرم (ص) و لإبعاد كلّ جهلٍ و عداوة و الحقد و الإفراط و التفریط.   

    إنَّ واقعة عاشوراء هي من الحوادث المهمّة في تأریخ البشریّة ، فإنّنا نری أنَّ في یومنا هذا و من بعد مرور أكثر 1375 عامًا أنّ تلك الحركة العظیمة حیّة لم تنتهي و لیس فقط بین الشیعة و لا أنّها فقط بین المسلمین ، بل و إنّها حیّة حتی بین الغیر مسلمین علی وجه البسیطة ، إذ أنَّ الإمام الحسین (ع) أدّی رسالته بتضحیة نفسه الكریمة مع أهله و أصحابه في سبیل الله تبارك و تعالی و لإحیاء سنّة جدّه الرسول الأكرم (ص) و إبعاد الجهالة و إصلاح المجتمعات البشریّة.

     

    إنَّ رسالة حركة الحسین (ع) كانت لإحیاء الحق و نشر الوعي بین الناس و نجاة القیَم الإنسانیّة و إبعاد الجهالة و في تعبیر واحد كان هدفه نشر الإسلام الحقیقي الخالي من الإفراط و التفریط و الخشونة و نشر الصلح و الصداقة بین الناس و هي الرسالة التي جاء بها  جدّه الرسول الأكرم المصطفی الأمجد (ص) و كلّ الأنبیاء و المرسلین من قبله لیكونوا خیر أسوة للناس كما قاله هو (ص) « لكم فيًّ أسوة » و كما نری بیان حكمة تضحیته في سبیل الله و لإحیاء سنِّة جدّه (ص) في زیارة الأربعین « بَذَلَ مُهْجَتَهُ فيكَ لِيَسْتَنْقِذَ عِبادَكَ مِنَ الْجَهالَةِ وَحَيْرَةِ الضَّلالَةِ.»

    إنَّ خیر السُّبُل للتوصُّل إلی الحِكـَم التي تكمن في نهضة أبا عبد الله الحسین (ع) هو التمعُّن في ما قاله حین بدأ سفرته من المدینة المنوّرة متّجهًا إلی الكوفة و فیما جری في أرض الكرب و البلاء و من بیاناته قوله ما محتواه أنَّ حركته هي لإحیاء الصحوة في الأمّة الإسلامیّة و الوقوف أمام الفساد في الحكومات التي تحكم بإسم الإسلام و إصلاح الجامعة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فإنَّه (ع) أراد أن یقف أمام الظلم و الخشونة و حرص الناس علی الأمور الدنیویّة و الإفراط و التفریط و ضدّ كلّ السیّئات التي كانت تُقام بإسم الإسلام في المجتمعات ، فتلك السیّئات كلّها لا علاقة لها بالإسلام و هي التي فیها الإنكار و المنع  و الإبتعاد عن الأخلاق الإنسانیّة.

    إنَّ في مدرسة عاشوراء دروسٌ كثیرة بقیت لنا و ستبقی طوال العصر و الزمان ، و كلّما تعرّف الإنسان علی الدروس التي في عاشوراء و تعمّق في التمعُّن فیها و العمل بها ، سوف تناله العزّة و الكرامة بنسبة التعمُّق فیها.

    إنَّ الإخلاص و الحرّیّة و الرضا و التسلیم إلی الإرادة الإلهیّة و العمل بالواجبات الدینیّة و الأخلاقیّة و التوكل علی الله تبارك و تعالی في کلّ الأمور و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الإبتعاد عن القومیّة ، للتمسُّك بالأصول الإنسانیّة و الدروس الأخلاقیّة التي كانت ضروریّة طوال الحیاة الإنسانیّة ، و سوف تكون حینئذٍ حیاته في عزّة أكثر.   

    إنَّ سرّ بقاء حركة الحسین (ع) حركة حیّة طوال العصر والزمان هي الإخلاص في العمل بما أراد الله تبارك و تعالی منه (ع) و العمل بالتكالیف الإلهیّة و الدفاع عن القیم الإنسانیّة العُلیا. و هذه العوامل هي التي لم یتطرّق إلیها المسلمین فقط بالتمعُّن و التقدیر ، بل و حتی هنالك من العلماء الغیر مسلمین قد تمعّنوا فیها و قدّروها خیر التقدیر و من الذین أظهروا تأثیر الحركة الحسینیّة فیهم و منهُم الفیلسوف الإنجلیزيّ ـ توماس كارلایل ـ الذي قال : « إنَّ خیر الدروس التي نعتبر بها من وقائع كربلاء هي أنَّ الإمام الحسین و أصحابه المكرّمین كان إیمانهم بالله تبارك و تعالی قويٌّ لا مزحزح له.»

      و هنالك من المفكرین المشهورین في العالم قد حلّلوا النهضة العظیمة التي قام بها الإمام الحسین (ع) و بیّنوا أسبابها و منهم العالِم البریطانيّ المشهور « چارلز دیكنز » في بیانه « أنَّ لو كان الإمام الحسین (ع) یستهدف الأمور الدنیویّة في تلك المعركة ، فلا أعلم لم أخذ أخواته و أطفاله معه. فالعقل یحكم إذن أنَّه قام بتلك الضحایا في سبیل الإسلام.»    

     إنّنا نری في یومنا هذا في كلِ أنحاء العالم من المجرمین من یقومون بأبشع الجرائم و الظلم و قتل الأبریاء بسوء الإستفادة من الإسلام للقیام بتلك المجازر القاسیة و كلّهم أعداءٌ للحقّ و لا یستهدفون سوی الإسائة إلی سُمعة الإسلام الذي هو دین الصلح و الصداقة و العدل و العقلانیّة ، تلك القِیَم التي كانت نهضة الحسین (ع) و كلّ مساعیه وضحایاه لإحیائها.

    و نحن المسلمون یجب علینا أن نُعرِّف الإسلام الحقیقيّ إلی الناس كما قام به الإمام الحسین (ع) ، ذلك الإسلام الذي یُنادي لحفظ حرمة الإنسان و الإنسانیّة و البشریّة بأجمعها و یُخالف و یستنكر كلّ خشونة و ظلمٍ وعدوان و الإفراط و التفریط و الدعایات و الإدّعائات المسمومة التي ینشرُها المغرضین المعادین للإسلام في وسائل الإعلام ، فیجب علینا أن نُقابلها بالتصرّفات العقلانیّة و الإعتدال والمصالحة والمحبّة للوقوف أمامها و إقناع الناس بأنّها ظلمٌ و باطلٌ لا أساس لها.  فیجب علینا أن نقتدي بتصرُّف الرسول الأكرم (ص) و أهل بیته الكرام بالأخلاق الحسنة و العقل و الحكمة كما نری بیان ذلك في قوله تعالی « إدفَع بالتي هِيَ أحسَن فإذا الذي بَینَكَ وَبَینهُ عَداوةٌ وَليٌّ حَمیم.»

    إنَّ البعثة و یوم الغدیر و عاشوراء و المهدویّة كلّها كحلقة السلسلة التي تسحب الإنسان المُوَحِّد إلی الحقّ و الحقیقة و المعنویّة و تَصرِفُهُ عن الإنحراف و الإنحطاط و الإنحدار إلی أسفل السافلین.  

    نسأل الله تبارك و تعالی أن یجعلنا جمیعًا من الذین یسیرون في سبیل القرآن الكریم و أهل بیت الرسالة و أن یجعل لنا قدمَ صدقٍ في سبیل الله تبارک و تعالی و الحقّ و من الذین یحسنون إلی الآخرین و أن یلحقنا بالصالحین والصلاة و السلام  علی أحسن المحسنين و خاتم المرسلین حبیب إله العالمین أبو القاسم محمّد و علی آله و صحبه أجمعین.

    والسلام علیكم و رحمة الله و بركاته

     

    .

     


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :