facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 62669
    تاريخ نشره : 11/14/2014 5:30:23 PM

    الكیان العائليّ في القرآن الكریم 12

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل حجة الإسلام و المسلمین الترابي
    14.10.2014



    بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .

    المقدّمه: كان الموضوع « العائله في القرآن الكریم» و كلامنا الیوم فی الآثار و البركات الإیجابیّة التي في كیان الأسره و رأینا أنَّ أوّل البركات و أولاها هي مرضاة الله تبارك و تعالی و كسب الأجر المعنويّ.  فلنری المزید من الأمورالتي فیها بیان الأهداف من تشكیل العائلة و منها ما جاء في الآیة المذكورة في قوله تعالی: اعوذ بالله من الشیطان الرجیم، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.

    المطلب الأوّل:

    الایه الشریفه تشیر الی احد برکات العائله و هی السکینه و الهدوء. و هي من الضروریّات الأوّلیّة التي یحتاجها الإنسان لمقابلة الإضطرابات و الإضطرارات التي تزحزح تعادُل الإنسان و تؤدّي به إلی القلق و عدم الإستقرار، و ذلك هو الذي یؤدّي بالنتیجة إلی إنهیار الأعصاب فی النفس و التعامُل بالخشونة مع الآخرین.

    هناک حقیقة لا شك فیها و هی أنَّ الحیاة الزوجیّة عامل السكینة و القرار و تحفظ الإنسان من الوقوع في الأمراض النفسیّة و الجسمیّة و كما نری في الكثیر من أولئك الذین لا یزالون یعیشون مجرّدین، فإنَّ هؤلاء تنهار أعصابهُم بسرعة و یُثار غضبهم بسبب بعض الأمور البسیطة أكثر من الآخرین و كثیرًا ما یكون تصرُّفهم غیر متعادل و من دون أيِّ توازن و تكون حسّاسیّتهم بالأمور أكثر من الأفراد الذین یعیشون في المحیط العائليّ.   إنَّ السكینة و الطمأنینة لها معانيها الكاملة الجامعة التي تشمل الكثیر من الأمور، منها:  

    1ـ السكینة الروحیّة التي تؤدّي إلی ثبات الإیمان؛ 2ـ السکینه الفكریّة و خلوّ الذهن من المشاغل و المشاكل لكي یتفرّغ منها الإنسان للتعقُّل و التفكر3ـ سکینه النفس لكسب الفضائل الأخلاقیّة و الإبتعاد عن الرذائل 4ـ السكینة الإجتماعیّة کمقدمه للعمل الصالح ؛ 5ـ السكینة الجسمیّة و الإستراحة لتَزایُدِ النشاط في الحیاة.  هناک کلام للعلامه الطباطبائی یقول: « إنَّ لکلّ من المرأة و الرجل رغبة و انجذاب تسحب كلٌّ من الطرفین إلی الآخَر، کان منشأها النقص و الفقر و الحاجة التي تکمن فی کل منهما، و حین یلتقیان و یتئالفان، یشعران بالهدوء و السكینة، إذ أنَّ كلّ ناقص یشتاق إلی الكمال و یسکن عنده.»

    المطلب الثاني:

    هو ما قاله سبحانه و تعالی في محکم کتابه المبین : « خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا» کما و قال في آیة أخری : « خَلَقَكُم مِن نَفسٍ واحدةٍ وَ جَعَلَ مِنها زَوجَها لِيَسكُنَ إليها» (سورة الأعراف/ 189) و في الآیة الأولی من سورة النساء : «خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا» (سورة النساء/1) و  في الآیة6 من سورة الزُمَر: «خَلقَكُم مِن نَفسٍ واحدةٍ ثم جَعلَ مِنها زَوجَها»

    و حین نتمعّن في هذه الآیات الشریفة، نری بالرغم من أنَّ تواجد الرجل و المرأة یكون قد نشأ من أصلٍ واحدٍ و لكن العامل الذي ینشر السكینة و الهدوء هي المرأة و أنّ الرجل یشعر بإنجذابه إلی المرأة لیسكن إلیها.  إنَّ تعبیر « لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا » و «لِيَسكُنَ إليها» إشارة إلی كون المرأة محور السكونة و الرغد و الطمأنینة. و وفقًا لما نراه في القرآن الكریم یكون زمام أمور الرغد و الطمأنینة في الحیاة العائلیّة بید المرأة. و لذلك لو إن عَرَفَتِ المرأة دورها الحقیقيّ في الجوّ العائليّ، سوف یكون لها تأثیرها العمیقٌ في السعادة العائلیّة و السعادة الإجتماعیّة، وهذا ما هو معنی القول العمیق الذي قاله الإمام الخمینيّ رحمة الله علیه«إنَّ معراج الرجل من حضن المرأة.»  

    و هكذا یتبیّن لنا أنَّ ما جاء في القرآن الكریم في قوله تعالی : :«وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا» (سورة النحل/81) هو البیت الذي فیه الزوجة. أي أنَّ البیت الذي فیه زوجة یكون بیتٌ فیه السكینة و الهدوء و البیت الذي لا زوجة فیه فلیس كاملٌ.  

    المطلب الثالث:

    فهل السكینة والهدوء هو الهدف النهائيّ؟ بالرغم من أنَّ السكینة و الهدوء هي من الفطرة البشریّة و الكلّ یسعی لنشره ونیاله، و لكن السكینة هي المقدّمة لأمرٍ أهم، و هو تحصیل السعادة.

    بیانه: أنَّ المسیر الصحیح في الحیاة و التوصُّل إلی السعادة ، لا یمكن أن یتحقّق من دون إنتشار الطمأنینة و السکینه الجامعة فکما تطرّقنا ثبات الإیمان و كسب الفضائل و دفع الرذائل الأخلاقیّة و القیام بالعمل الصالح و كسب الراحة و إحیاء النشاط و الإستعداد لا یمكن أن تتحقّق من دون الإطمئنان و السکینه في حیاة الإنسان. و من یظهر حقیقه ما جائت فی لسان أهل بیت النبوّة علیهم السلام، منها: 

     ـ قال الرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: مَن تزَوَّجَ فقد أُعطيَ نِصفَ السّعادة.

    ـ ما مِن شابٍّ تزوّج في حِداثة سِنّهِ إلّا عَجَّ شَیطانُهُ: یا وَیلهُ یا وَیلهُ، عَصُمَ مِنّي ثُلُثَي دِینه. فَلیَتِّقِ اللهَ العَبدُ في الثُلُتِ الآخَر.

    ـ قال الرسول الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم: ما بُنِيَ في الإسلام أحبُّ إلی الله تعالی مِنَ التزویج.

    ـ قال الرسول الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم: أوحِيَ إلی موسی أني أعطیتُ فلانًا خَیرُ الدنیا و الآخرة و هي إمرأةٌ صالحة.

    ـ قال الإمام الصادق علیه السلام: ثلاثةٌ للمؤمِنُ فیها راحة ... و إمرأةٌ صالحة تُعینُهُ علی أمرِ الدنیا و الآخره

    و هكذا یتبین لنا مما ذكرناه بعض وجوه روایه الإمام الصادق علیه السلام :

    «تزوّجوا و لاتطلّقوا فانّ الطلاق یُهتزّ منه العرش»؛

    المطلب الرابع:

    إنَّ كلمة « إلی » فی « لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا » و «لِيَسكُنَ إليها» هو بیان أنَّ السكون الإیجابيّ و الفعّال هو الذي ینتشر في جوّ العائلة. و أنَّ السكون الإیجابيّ هو عکس السكون المنفي الذي یأتي من جرّاء الركود و عدم النشاط الذي یؤدّي بالأشخاص إلی الإلتجاء إلی المُسكرات و الموادّ المُخدِّرة و الوقوع في آبار الغفلة و التیاه. فالعائلة السالمة هي التي تكسب السكینة و الهدوء الذي یمنُّ الله تبارك و تعالی بها علیها و یحفظها من الهدوء الموقّت الذي هو في الغفلة و الذي هو الخراب لكلّ سكینة و طمأنینة حقیقیّة.  فبناءً علی ذلك علی الزوجات أن یتصرّفن في المحیط العائليّ بصورة ینشرن السكینة فی المحیط العائلی. و ان یعرفوا العوامل التي تجلب القلق و تسلب السكینة.

    نسأل الله تبارك و تعالی أن یمُنَّ علینا جمیعًا بالهدی و التوفیق لطاعته و التوجـُّه إلیه جلَّ وعلا بقلبٍ سلیم. آمین یا ربِّ العالمین. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا تَوْفِيقَ الطَّاعَةِ وَ بُعْدَ الْمَعْصِيَةِ وَ صِدْقَ النِّيَّةِ وَ عِرْفَانَ الْحُرْمَةِ وَ أَكْرِمْنَا بِالهُدَى وَ الاسْتِقَامَةِ

                                                                                               والسلام علیكم و رحمة الله وبركاته 


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :