facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 64218
    تاريخ نشره : 12/5/2014 4:35:49 PM

    المعارف الإسلامیّة (130) الإسلام و حقوق الإنسان (6)

    الخطیب: مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    05.12.2014

     


    بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .


    إنَّ معرفة كنه الإنسان بصورة جامعة لمراعاته في تدوین حقوق الإنسان ضروريٌّ جدًّا و بما أنَّه لم یكن ذلك لحدّ الآن في إمكانیّة أيِّ أحدٍ من الناس أن یدّعي بأنَّه یعرف كلّ ذلك و بصورة جامعة ، بل إنَّ هنالك إعتراف بعدم معرفة كلّها حتّی من قِبَل المتخصِّصین یُبیّن لنا أنّ المعرفة الكلّیّة لا یمكن أن تكون إلّا من قِبَل بارئ الخلائق أجمعین الذّي خلق الإنسان و سوّاه. 

    و لذلك فإن الآیة الكریمة التي نصُّها « وفیه ذكرُكم » تدلُّنا للتوجّه إلی القرآن الكریم إن كنّا نودُّ كسب المزید من المعارف عن كنه الإنسان و تكوینه و نفسه ، إذ أنَّ في القرآن الكریم كمال البیان عن الإنسان و منه نستطیع أن نكتسب ما نرید معرفته بالإستعانة بالعلماء المتخصِّصین في علوم القرآن الكریم.

    و حین نری ذكر خِلقة الإنسان في القرآن الكریم بیان « في أحسن تقویم » فإنَّه تبارك و تعالی هو الذي قد أضاف إلی الإنسان تكریمه و تجلیله من قِبَل الملائكة ، كما نری بیان ذلك في قوله تعالی « فإذا سوّیتُهُ و َنَفَختُ فِیهِ مِن روحي فَقَعُوا لَهُ ساجدین » إنَّ هذه الوِجهات من التكریم و التجلیل تخصُّ الأبعاد الروحیّة للإنسان كما وأنَّ الجسم له كرامته و شرافته فهو الذي تسكن فیه الروح في الحیاة الدنیا.

    و لذلك نری في الأصول الإسلامیّة الكثیر من الحقوق التي تخصُّ جسم الإنسان ، فإنَّ التجاوز علی حُرمةِ جسم الإنسان و إصابته بالجروح أو الأذیّة تجلب العقوبات علی المُتَعدّي ، كما و أنَّ هنالك أصول و قوانین تخصُّ تربیة كِلا الطرفین أي الجسم و النفس و النتیجة هي أنَّ حقوق البشر أمرٌ یخصُّ الله تبارك و تعالی و هو الذي یُنظِّم تدوینها عن طریق الوحي إلی أنبیائه و رُسُلِهِ المكرَّمین (ص).

    فلربَّما یكون هذا الكلام ما لا یقبله البعض ، أو أن لا یكون هذا الكلام في المجتمعات التي تتقدّم بسرعة هائلة في عصرنا هذا لیس قابلاً للتصوُّر ، و لكن یجب أن نتمعّن فيه لنری ألیس الكلام فیه هو عن حقوق الإنسان؟ 

    فلو إن إقتضت الضرورة لتدوین القوانین التي تحفظ حقوق البشر و حفظ كرامة الإنسان و الدفاع عنه ، أفلا یجب أن یكون معرفة الإنسان معرفة جامعة كاملة لحكمة وجوده و الهدف من خلقته و مسیره في الحیاة و مصیره بعد الممات.

    فمن الذي یستطیع أن یدّعي بأنّه یعرف كلّ خصائص الإنسان و أبعاده و میوله و حوائجه؟

    فعلینا إذن أن نقبل أنَّ الكمال المطلق لمعرفة الإنسان و كلّ حوائجه و میوله لا یمكن أن یدركها الإنسان بنفسه، بلارغم من أنّه یحسُّ بها. و لذلك فإنَّ الوسیلة الوحیدة للمعرفة الجامعة و الكاملة للإنسان ، لا یمكن أن تكون إلّا عند الله تبارك و تعالی فهو الذي خلق الإنسان و في أحسن ما شاء صوّره و ما تناله البشریّة من المعلومات الضروریّة للإهتداء بها في حیاته ، لم تكن إلّا عن طریق الوحي وكلام الله جلّ و علا. 

    و بما أنّنا نحن المسلمین نعلم أنَّ القرآن الكریم هو الكلام الذي أنزله الله عزّ و جلّ و هو الذي یكون أحسن الأسناد للإستعانة به لإقتباس المتون التي نحتاجها لتدوین حقوق الإنسان و ما یجب أن نعلمه هو أنَّ هذا البیان عن القرآن الكریم أمرٌ لا شك فیه حتی و لا لقید شعرة ، كما و أنَّ ما یخصُّ غیر القرآن الكریم من الكتب السماویّة ، فإنّنا نعتقد بأنّها ــ إن لم تكن قد تمَّ تحریفها أو إن أُضیفت نصوصٌ إلیها أو تكون قد حُذِفَت منها ــ فیمكن أن تكون أیضًا مَسندًا لإقتباس الأحكام منها و الإستناد علیها لهدایة الإنسان.

    و للمزید من الإیضاح یجب أن نشیر إلی أنَّ المسائل الإعتقادیّة و الأخلاقیّة أو الأحكام العملیّة الفردیّة و الإجتماعیّة ، لا یمكن أن نكتفي بمعارف العلماء فیما یخصّها ، إذ أنَّ هنالك إختلافات كثیرة في فتاویهم و لو إن كان هنالك أمرٌ لا یقبله بعض العلماء، فلا یمكن أن نرفضه ، فطال ما لم یكن رأيٌ من آراء العلماء قد بُنيَ إستنادًا علی الوحي ، فلا یمكن قبوله منهم.

    و للمزید من التوضیح یجب أن نقول أنَّ الشرح و الإستنتاج فيما یخصُّ المسائل الإعتقادیّة و الأخلاقیّة أو الأحكام العملیّة الفردیّة أو الإجتماعیّة لا یمكن أن یُكتفیَ فیها بالإستناد علی ما یقوله العلماء ، إذ أنَّ هنالك إختلافات كثیرة بین آرائهم و فتاویهم و إن كانت هنالك أمور لا یقبلها العلماء ، فلا یمكن أن نراها مرفوضة و غیر مقبولة ، و بناءًا علی ذلك فإن كان إستناد العلماء لم یكن مبنیًّا علی متون الوحي ، فلا یمكن قبولها.

    و لربّما تكون عندهم آراء حسنة و لكن لو لم یكونوا مستندین بها علی الوحي و ملتزمین به ، فلا یكون رأیُهُم جامعًا مرتبطًا و لا یمكن أن یكون مصدرًا للإستناد علیه في إقتباس بنود القوانین في حقوق البشر منها ، حتی و لو كان كلامُهُم یلفت الأنظار و الآراء و یَقبَلُه الكثیر من الناس و لهذا نری في القرآن الكریم خطابه جلّ و علا إلی رسوله الكریم (ص) في قوله تعالی : « وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ »

    فإن كان العقل لوحده وسیلة الحصول علی العلم و الحكمة و لكن لم یكن فیه الإیمان بالله عزّ و جلّ ، فلا یمكن الإعتماد علیه و لذلك فإنَّ معرفة حقوق الإنسان مسألة مهمّة جدًّا یجب الإستناد فیها علی منابع « الوحي » لیهتدي الإنسان بالعلوم الإلهیّة و لكي یتعرّف علی حكمة وجوده و أن لا ینحرف بالأصول و الفروع ، إذ أنَّ عدم توجُّه الإنسان إلی موقعیّته الحقیقیّة تؤدّي به إلی عدم الحصول علی القضاوة الصحیحة عن وجوده. 

    وعسی أن یمُنَّ علینا جمیعًا بالهدی و العرفان و التوفیق لطاعته و التوجـُّه إلیه جلَّ وعلا بقلبٍ سلیم ملیئٌ بالحبّ والإیمان به و العمل الصالح في سبیله عزّ و جلّ.

     

    آمین یا ربّ العالمین    

     والسلام علیكم و رحمة الله و بركاته


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :