facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 64476
    تاريخ نشره : 12/12/2014 5:37:23 PM

    المعارف الإسلامیّة (131) الإسلام و حقوق الإنسان (7)

    الخطیب: مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    12.12.2014

     


    بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .

    لقد تبیّن لنا في الخطب الماضیة أنَّ الحصول علی ما یُنظِّم سنّ القوانین لحقوق البشر یجب أن یكون من مصادر الوحي و أنّه لا یمكن الحصول علیها من دون الوحي. إذ أنَّ تدوین المتون التي تخصُّ حقوق البشر یجب أن تشمل كلّ الأبعاد الوجودیّة للإنسان و لم یتمكن أيٍّ من المتخصِّصین في هذا الحقل أن یَدّعي بأنّه یعلم كلّ الأمور التي تخصُّ هذا الموضوع.

    و لذلك فإنَّ السبیل الوحید للتوصُّل إلی كمال المعرفة للإنسان و ما یخصُّ حقوقه هو الإستناد بالوحي و هذه هي الوسیلة الوحیدة لمعرفة ماهو من الحاجات الحقیقیّة والضروریّة للإنسان وتمییزها من الرغبات التي هي لیست من حاجاته الضروریّة.

    و الأمر المهمّ هنا هو أنَّ الذین تكون عندهم القابلیّة لإستنتاج حقوق الإنسان من الوحي، في حین أنّهم لا یقومون بالإستفادة الوسائلیّة و أن لا یروا أنفسهُم أنّهم محور الأمور و أن لا یكونون ذوي أنانیّة.

    إذ أنَّ الأفراد الأنانیّون المعجبین بأنفسهُم یقفون أمام الحقّ و لیس من شأنهم أن یسنّوا القوانین و كم من الوقائع یجعلون فیها الحقّ في منزلة الباطل والباطل في منزلة الحقّ، كمانری بیان ذلك في قوله تعالی: « وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ » والمُخاطبین هنا هم الذین یسیئون الإستفادة من الوحي لمنافعهم الخاصّة الشخصیّة أو الجَمعیّة.

    و نری شرح هذه الإسائات في بیان أمیر المؤمنین و قدوة الصادقین عليّ بن أبیطالب (ع) حین قال : « إِنَّ أَخْوَفَ‏ مَا أَخَافُ‏ عَلَيْكُمُ إثْنَانِ إتِّبَاعُ الْهَوَى وَ طُولُ الْأَمَلِ فَأَمَّا إتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ وَ أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ‏ فَيُنْسِي الْآخِرَة » و هذه الحالة تكون عند الذین یتابعون رغباتهم الطبیعیّة و یكتفون بالسعي لإشباعها. و لكن حین یُلبّي الإنسان الرغبة الفطریّة للمسیر في سبیل الحقّ و تحقیق الفضائل ، لكسب مرضاة الله تبارك و تعالی.

    فإنَّ إظهار النظر بصورة حقیقیّة كما یُبدیها الخُبراء عن الإنسان هو أنَّ الإنسان یستطیع أن یُمیِّز بین الحقّ والباطل و یعرف الحاجات الصادقة و الحاجات الكاذبة، فإن لو لم یكن الأمر كذلك لسنَّ المعنیّین قوانین حقوق الإنسان من دون المعرفة الذاتیّة للإنسان، ظانّین بأنَّهُم قد لاحظوا كلّ الحوائج المشروعة للإنسان في النصوص التي یُدَوِّنوها.

    فما لا شك فیه، هو أن لو إن أراد إنسانٌ أن یتعرّف علی المنابع الصحیحة لحقوق البشر، یجب علیه أن یسعی لنیال المعارف الصحیحة للعالَم و الأنظمة التي وضعها الله تبارك و تعالی لوجود للإنسان، فإنّها لم یكن إلّا بلطفه و منّه جلّ وعلا و الأهداف الحكیمة كمانری بیان ذلك في قوله تعالی: «ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَق». كما و أنَّ للإنسان الذي خلقه الله جلّ وعلا بلطفه هدفٌ عاليٍ جدًّا كما نری بیان ذلك في قوله تعالی: « أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لاتُرْجَعُونَ ».

    فمعرفة الإنسان و العالم و الكائنات و ما لا یُعدُّ و لا یُحصی من المخلوقات التي خلقها الله تبارك و تعالی و الحقوق التي هي علی عاتقنا تجاهه جلّ و علا لها مكانتها العالیة. و بالإستناد علی هذا المنبع القويّ، تكون كلّ مراتب وجود الإنسان من الإحساس و العقل و الشهود لها حقوقها و كلّها تكون مُورِدًا للأسباب الجامعة و سنّ القوانین لحقوق الإنسان.

    و بناءً علی ذلك، فلو إن قبلنا جمیعًا أنَّ علینا أن نتّبع الوحي بالإستعانة بالعقل لتسنین القوانین البشریّة، فلا یبقی شیئًا من حقوق الإنسان ما یُغفَل عنها، إذ أنَّ العلوم الإلهیّة فوق كلّ العلوم و لا یخفی أيِّ شیئٍ عن الله تبارك و تعالی، فإنَّه هو الذي «لايَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لافِي الْأَرْضِ وَ لاأَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَ لاأَكْبَرُ إِلاَّ في‏ كِتابٍ مُبينٍ» كما و جاء في سورة أخری أنّه عزّ و جلّ عالمٌ بكلّ صغیرة و كبیرة « وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا »    

    إنّ الله تبارك و تعالی هو عالم الغیب و الشهادة و ما لا شك فیه هو أنَّه هو الخالق الذي خَلقَ الإنسان و أعطاه حقّ الحیاة و جعله أحسن المخلوقات في عالم الوجود ، فهو الذي یعلم مصالحه و مفاسده أحسن من كلّ مخلوق و هو الذي یستطیع أن یسنّ له القوانین و یهب له ما هو في صالحه.

    فالمهمّ هو الإلتفات إلی أن لو إن كانت حقوق البشر قد تمّ تدوینها من قِبَل شخصٍ واحدٍ أو عدّة أشخاص ، فإنّها سوف تتعرّض إلی العدید من المشاكل. و السبب هو أنَّ ما من أحدٍ منهم یكون علی علمٍ كاملٍ فیما یخصُّ الإنسان لدرجة بحیث أنّه یستطیع أن یشمل كلّ الأبعاد الحقوقیّة ، و كم من المصالح سوف تكون مفقودة في تدوین حقوق الإنسان عن هذا الطریق، و لو إن توصّل ذلك الإنسان بواسطة السلطة و القدرة التي في یده إلی مرتبة له صلاحیّة سنّ القوانین، فما لاشك فیه هو أنَّ أمثال هذه القوانین التي قد دُوِّنت من قِبَل الذي بیده السلطة، لاتستطیع أن تقطع جذور الظلم و العدوان في المجتمع الذي تسوده.

    فلا یستطیع الفرد الذي یُعاني تحت الجهل الكثیر و السهو و العجز إذن، أن یَسِنّ القوانین و حتی حین یجتمع العدید من الأفراد، سوف تحصل أیضًا بعض المشاكل المذكورة و لو كان هنا من الممكن أن تكون أقلّ نوعًا ما، و یجب أن لا ننسی أنَّ في هذه الحالة سوف تكون هنالك إختلافات بین آراء الأفراد و حینئذٍ یجب قبول التصویب وفقًا للأكثریّة و هذا النوع من الحلول التي قد حصلت نتیجةً للإضطرار ، لربّما لا تكون وفقًا للعدالة و العقلانیّة و أن لا تشمل كلّ الحوائج الحقیقیّة للإنسان و بالنتیجة سوف تكون هنالك الكثیر من المشاكل فیها. فالنتیجة هي إذن تكون أحسن الوسائل هي التمسُّك بمنبع « الوحي» لسنّ القوانین فبوسیلتها یمكن التوصُّل إلی أحسن القوانین التي تخصُّ حقوق البشر و هذه سوف تكون القوانین التي تشمل كلّ حقوق الإنسان و كلّ خصائص وجوده. و خلاصة الكلام هي أنّنا نستطیع أن نذكر دلیلین علی حقّانیة سنّ القوانین الإلهیّة فقط من قِبله جلّ و علا وهي :

    الدلیل اوّل: هو إنَّ الإنسان له إرتباطه العمیق بوجوده. و هذا الإرتباط یعود إلی أصل خِلقته كما و أنّه یعود إلی بقائه و لذلك فإنَّ الإنسان یحتاج في تكامُله إلی الله تبارك و تعالی و لا یستطیع أن یستمرّ في مسیر الكمال بنفسه فقط. و النتیجة هي أنَّ تعیین حقوق الإنسان كخطوة من خطوات التكامُل هذه ، یجب أن تكون من منشأ وجوده.

    والدلیل الثاني: هو أن لو إن أردنا تعیین حقوق الإنسان ، فیجب علینا أن نعرف حوائجه و معرفتها لا یكون إلّا بوسیلة المعرفة الكاملة عن كلّ أبعاد حیاته و ما لا شك فیه هو أنَّ الله تبارك و تعالی هو الواحد الأحد الذي یعرف كلّ أبعاد الإنسان فبناءًا علی ذلك من ذا الذي یستطیع أن یُعیِّن حقوق الإنسان غیره جلّ و علا.

    عسی أن یمُنَّ الله تبارك و تعالی علینا جمیعًا بالهدی و العرفان و مراعاة حقوق الآخرین أیًّا ما كانوا و التوفیق لطاعته و التوجـُّه إلیه جلَّ وعلا بقلبٍ سلیم ملیئٌ بالحبّ والإیمان به و العمل الصالح في سبیله عزّ و جلّ.

    والسلام علیكم و رحمة الله و بركاته


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :