facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 67447
    تاريخ نشره : 1/30/2015 6:54:13 PM

    المعارف الإسلامیّة (136) الإسلام و حقوق الإنسان (12)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    30.01.2015



    بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .

    إنَّ حقوق الإنسان في الإسلام تكون كلّها مبنیّة علی أسُسٍ لها دلائلها و أصولها. و إنَّ هذه الأصول هي التي یجب أن یجري الكلام عنها بالتفصیل و ذلك في المجال المناسب لها و خصوصًا ما یخصُّ الأصول التي تسمّی بالأصول الموضوعة و لكن لنری في ذكرٍ مختصرٍ عنها لكي یتبیّن لنا الإرتباطات بینها بصورة أوضح.

    الأصول الموضوعة لبیان حقوق البشر من وجهة النظر الإسلامیّة:

    أ. الخلقة، نظامٌ فیها المعانی الملیئة بالحكمة :

    إنَّ إحدی هذه الأصول الموضوعة التي تستند علیها حقوق الإنسان من وجهة النظر الإسلامیّة هي أنَّ الكائنات و الإنسان قد خُلِقَوا في نظام توحیدي فیه كمال المعنی و الحكمة و ما من شیئٍ قد خُلِقَ عبثًا و من دون حكمة ، كما نری بیان ذلك في الآیة الكریمة في قوله تعالی : « وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ . » و الدلیل علی تمتُّع الإنسان بمكانته الخاصّة به في خلقة الكائنات هو ما نراه في قوله تعالی : « أفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ »

    و الدلیل علی أنَّ كلّ المخلوقات لها الهدف الخاصّ بها ، هو أنَّ خالقها هو الخالق البارئ المصوِّر العلیم الحكیم جلّ و علا  و هو الذي خلق كلّ شیئ علی أساس الحكمة. و لذلك فإنَّ كلّ موجودٍ و مخلوقٍ یكون في أحسنِ نظامٍ ، أي أنَّ كلّ موجودٍ یكون قد خُلِقَ بأحسن ما یكون في علم الخالق العالي المتعال و ما فیه کلّ الخیر لخلقته. و ما نراه في إمكانیّة الإنسان للعمل بما یبتغي هو عكس ذلك ، فإنَّه یبدأ صُنعَ ما یریده ، ثمَّ یری فیه النواقص و یسعی لتحسینها في مرحلة بعد أخری و لكنّ الله تبارك و تعالی لا یمكن و لا یجوز قیاس قدرته و عظمته بالإنسان و إمكانیّاته و قابلیّاته ، فإنَّه تبارك و تعالی یخلق ما یشاء في أحسن ما یمكن أن یكون و بمجرّد « أن یقول له کن فیکون »

    ب. تدبیر الخلقة علی أساس التربیة الإلهیّة:

    و من جملة الأمور التي نراها تحت عنوان « الأصل الموضوعي » هي أنَّ النظام الكونيّ یُدیرُهُ الله تبارك و تعالی بمجرّد إرادته و مشیئته و أنّه هو الخالق البارئ المصوِّر الذي یدبّر الأمور و یُدیرها بالحكمة و الرحمة و لذلك فإنّه جلّ و علا هو الربّ العظیم الذي خلق الكون و الكائنات بالحكمة و لا تعزب عنه صغیرة و لا كبیرة و ما من شیئٍ إلّا في علمه و تحت سیطرته. و في النتیجة نری أنَّ الله تبارك و تعالی هو الذي خلق الإنسان « و في أحسن ما شاء صوّره » و في النتیجة یجب علی الإنسان الذي هو من أفضل المخلوقات، أن یعلم بأنَّ علیه أن یعبد الله تبارك و تعالی  في حیاته بأحسن ما في وسعه.

    و ما لا شك فیه هو أنَّ النظام التوحیديّ یقتضي و یحكم بأنَّ كلّ الموجودات و منها الإنسان في حاجة مطلقة  فیما یخصُّ بقاءها و یعود إستمرار تواجدها إلی الله تبارك وتعالی ، إذ أنَّ كلّ الموجودات هي ما خلقها هو جلَّ و علا و منها الناس الذین هم العباد و كلّهم في حاجة لا بدیل لها إلی رحمته و عطایاه و لا یمكن أن یخرجوا من العبودیّة التكوینیّة للمولی العزیز القدیر.

    و النتیجة من هاذین الأساسین هو أنَّ القواعد و الضوابط التكوینیّة التي تخصُّ كلِ موجودٍ في الكون ، هو ما خلقه الله العزیز القدیر جلّ و علا بناءً علی الحكمة العمیقة و العزم والثبات. و ما لا شك فیه هو أن لو إنّنا لم نكتشف الحكمة في بعض الموجودات ، فلا یعني ذلك بأنّها خالیة من الحكمة ، بل إنَّ كلّ موجودٍ له حكمته و مكانته و هدفه ؛ و الهدف من كلّ موجود هو أداء واجباته بكلّ ما فیه من وسعٍة الإمكانیّات و لكلّ موجودٍ تعرِفَتَهُ الخاصّة به. فكلّ موجودٍ إذن یستمرُّ في مسیره نحو الكمال. و أمّا الإنسان فله مكانته الخاصّة به و لذلك فإنَّ كماله في غاية  الدرجات العلیا في الوجود.    

    ج. تركیب الإنسان من الجسم و الروح:

    و الأساس الأخَر الذي هو ثابتٌ لا شك فیه ، هو أنَّ الإنسان لیس مجرّد موجودٌ مادّي فقط ، بل إنَّ للإنسان علاوة علی الجسم الروح و النفس و هي التي بدورها تجعله في مكانته الخاصّة ، بل إنّها هي العطاء الأبديّ الذي أعطاها الله تبارك و تعالی للإنسان. فبناءً علی ذلك لیس الإنسان مجرّد موجودٌ مادّيٌّ مستمرٌّ في مسیر التغییرات المادّیّة ، إذ أنَّ الأبعاد المحدودة و المتناهیة هي ما تزول ، لكنّ ما جعل الإنسان هو مخلوقٌ له سمة الخلد هي الروح و النفس و لذلك نری في بیانات الجزاء لما یعمله الإنسان هي التي منها في الدنیا و منها ما هو في الآخرة ، فللإنسان إذن واجبات خاصّة علی عاتقه وهنالك قوانین خاصّة لتنظیم حیاة الإنسان تُبَیِّن له واجباته في الحیاة الدنیا بالتفصیل.

    و نری الإستدلال لهذه الحقائق في موضوع « المعارف المعادیّة » بكلّ عُمقٍ و دقّة و فیها بیان أنَّ كل إنسان یكون في یوم الحساب رهینة عقائده و أخلاقه و أفكاره و أعماله التي قام بها في الحیاة الدنیا.

    د. كرامة الإنسان:

    و نری من مجموعة ما ذكرناه لحدّ الآن هي أنَّ کرامة الإنسان موضوعٌ أساسيٌّ مهمٌّ جدًّا و فیه الأُسُس التي تكون حقوق الإنسان وكرامته مبنیّة علیها. إنَّ الإنسان له حرمته و كرامته العظیمة و یجب معرفتها بصورة صحیحة و علینا أن نؤكّد علی حقوق الإنسان في كلّ الأمور، إذ أنَّ الغفلة عن هذا الأمر المهمّ یؤدّي إلی حرمان الإنسان من نیال حقوقه الكاملة و الجامعة و هذا ما تفضّل بها الخالق جلّ وعلا في خِلقة الإنسان كما نری بیان ذلك في قوله تعالی : « وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَني‏ آدَمَ . . . »

    إنَّ هذه الكرامة الثمینة ودیعة في روحیّة الإنسان و نفسه و یجب أن یعلم الإنسان كیف یتصرّف بها بنظرة علمیّة کما و یجب مراعاتها في تدوین حقوق الإنسان ، إذ لو إن قبل الجمیع بأنَّ الأنسان قد خُلِقَ من جوهرة ثمینة یتمتّع بها ، فیجب علیه أن یعلم بأنَّ لکلّ إنسان حقوقه و کرامته من قِبَل التمتُّع بالأمن و السکینة و الهدوء و ... .

    و کلّ هذه الحقوق الأساسیّة یجب بیانها و تدوینها لتتطابق مع حقوقه و کرامته و علی الجمیع أن یعلموا بأنَّ الله تبارک و تعالی تفضّل بهذه الکرامة العظیمة علی الإنسان و لذلک یجب أن یتمّ إحترامها و حفظها للجمیع.     

    و لذلک حین تمّت خلقة الإنسان و نال تمتّعه بهذه الکرامة ، أمر الله سبحانه و تعالی الملائکة أن یسجدوا لعظمته و خلقه للإنسان و سجدوا جمیعًا إلّا إبلیس تکبّر و لم یطع الله عزّ و جلّ و خاطبه الله جلّ و علا حینئذٍ و « قالَ يا إِبْليسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالينَ . . » و من بعد تلک المعصیة طرده الباري جلّ و علا من المکانة العظیمة التي کان فیها حین تکبّر إبلیس و لم یطع المولی العزیز القدیر و أبعده طوال ما یتواجد الإنسان علی قید الحیاة.

    و هذا هو ما یجب أن یتّضح لنا في الکثیر من الأمور التي تخصُّ الإنسان. فعلی کلّ إنسان أن یعرف مکانته و أن یسعی للإستمرار في ذلک المسیر المُنزّه لکي یتوصّل إلی الهدف المقدّس من خلقته و وجوده. و هنالک الکثیر من الآیات في القرآن الکریم التي فیها بیان تکریم الإنسان و لذلک فإنَّ الجدیر بالإنسان أن یمرّ بها و یتمعّن فیها لکي لایتعرّض للشیطان الذي هوالعدوّ الذي أقسم أن یضلّ الإنسان و یُحرّفه عن الصراط المستقیم. 

    نسأل الله تبارك وتعالی أن یمُنَّ علینا جمیعًا بالهدی والعرفان والأخلاق الحسنة و مراعاة حقوق الآخرین أیًّا ما كانوا و التوفیق لطاعته و التوجـُّه إلیه جلَّ وعلا بقلبٍ سلیم ملیئٌ بالحبّ له و لعباده الصالحین والتعمُّق في الإیمان به و العمل الصالح في سبیله عزّ وجلّ.

     

                                                           والسلام علیكم و رحمة الله و بركاته


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :