facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 74255
    تاريخ نشره : 5/8/2015 3:25:20 PM

    المعارف الإسلامیّة (144) الإسلام و حقوق الإنسان (20)

    إنَّ حقّ الحیاة في الإسلام لا ینحصر علی الحیاة الجسمانیّة ، بل إنّه یشمل حق الحیاة المعنویّة سواءًا إن كانت نفسیّةً أو روحیّة. و لكنّ الحرّیّة الفردیّة تكون مقبولة في الإسلام بصورة معقولة و منطقیّة. الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    08.05.2015

        
    http://ar.izhamburg.de/files/244/Image/Articles/1393/7/4/a72113ba48d7431982a734bff3d38e58.gif

    بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .

    نستمرّ الیوم أیضاً في الکلام عن حقوق الإنسان. إنَّ ما یلفت الأنظار هو أنَّنا حین نتمعّن في الموادّ المدوّنة في حقوق الإنسان نری أنّه یجب مراعاة ما یتلقّاها الذي یقرأها من المتون التي فیها،  لنری هل إنّها تتوافق مع الأمور الإلهیّة، إذ لو لم نُراعیها بالتحلیل الدقیق الشامل، سوف لا ندرك المحتویات المدوّنة فیها.

    و الحقیقة هي أنَّ بعض الإختلافات في البیانات المدوّنة فیها من دون أيِّ قیدٍ و شرط في القوانین التي تخصُّ الناس، ترجع إلی وجهة النظر في تحلیل ماهیّة الإنسان و هوّیّته. ففي سبیل المثال نری في المادّة الثالثة بیان حقّ الحیاة و الحرّیّة و الأمنیّة الشخصیّة للناس و لا یُذكر فیها أيِّ قیدٍ و شرط، و لو أنَّنا نری في بعض الموادّ المحدودیّات التي تخصُّ الحرّیّة و أمثالها، فیا لیت لو كان فیها تدوین هذه الموادّ بالتعابیر التي تخصُّ كلّ العالَم بدقّة و عنایة أكثر و من دون أيِّ إبهام ممّا هي علیه في الحالة المدوَّنة، لكي لا تكون في وضعیّة تُمَكن لكلِّ إنسان أن یقرأها و یُحلِّـلها كما یشاء، ولذلك لا یمكن أن نكتسب من مُتونها ما هو المقصود منها بصورة واضحة علی الإطلاق و من دون أيِّ شكوكٍ و مبهمات، إذ أنَّ تطبیقها یمكن أن یؤدّي إلی بعض المشاكل، من قبیل حقّ الحیاة أو غیرها من الحقوق التي هي للإنسان.

    إنَّ حقّ الحیاة في الإسلام لا ینحصر علی الحیاة الجسمانیّة ، بل إنّه یشمل حق الحیاة المعنویّة سواءًا إن كانت نفسیّةً أو روحیّة. و لكنّ الحرّیّة الفردیّة تكون مقبولة في الإسلام بصورة معقولة و منطقیّة. إذ أنَّ الحرّیّة المنطقیّة هي التي لا یمكن إنكار ضرورتها لرشد الإنسان، فلا یمكن أن یأخذ الإنسان لنفسه حُرّیِّة تُخالف منطق الأصول الإنسانیّة و من دون أن تكون مفیدة للناس أو أن تتعدی علی حریّة الآخرین. و لذلك هنالك قوانین تضع الحدود لكلّ ما یعمله الإنسان أو یقوله أو یسمعه أو أو یأكله أو یشربه و عَقدِهِ للإرتباطات و إشباعِهِ للشهوات أو الإستفادة من القوّة القهریّة أو غیرها و كلّ هذه الأمور هي التي یجب مراعاتها لیتمتّع بها الإنسان في النطاقات المُحدّدة لها. فإذن حین نقول أنَّ الإنسان هو موجودٌ حرٌّ من الناحیة الشخصیّة و یستطیع أن یقوم بأيِّ عملٍ ما یشاء من دون أن یؤذّي الآخرین، تكون النتیجة الحریّة الشخصیّة من دون أيِّ حدٍّ و حدود و لیست هکذا ما تُعیِّن حقوق الإنسان. و لذلک فإنَّ في الإسلام هنالك أیضًا تعالیم صریحة تخصُّ هدایة الإنسان و رشده المعنويّ بالرغم من بیان حقوق الإنسان و حدوده.  

    و إنّنا نری في الإسلام بیان حقوق الإنسان بدرجة عالیة من الصراحة و الوضوح وفیها بیان سُبُل التربیة لمختلف القابلیّات و القوی الإنسانیّة كما نری بیان ذلك في الآیة 14 من سورة إبراهیم (ع) في قوله تعالی:« كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى‏ صِراطِ الْعَزيزِ الْحَميد »([1]) 

    فبناءًا علی ذلك یكون التوافق بین الحیاة و الحُرّیّة و الأمنیّة من وجهة النظر الإسلامیّة مُسَنّنة بصورة دقیقة و عمیقة، إذ أنَّ الحیاة المادّیّة هي وسیلة معقولة للتمتُّع بالحیاة الدنیا و لذلك فإنَّ فیه أیضًا بیان الهَدَف من خلقة الإنسان و ما یجوز له أن یعمله في حیاته و هذه الأمور هي التي یجب التوجّه إلیها.

    کما و إنّنا نری الخطاب الموجّه إلی الناس الذین یتمتّعون بالحیاة في هذه الدنیا لقبول الدعوة التي وجّهها الله تبارك و تعالی بإرسال رسوله الأكرم المصطفی الأمجد أبو القاسم محمّد (ص) رحمةً إلیهم کما نری بیان ذلک في الآیة 24 من سورة الأنفال في قوله تعالی : «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اسْتَجيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْييكُم‏».([2]) و لذلك فإنَّ حرّیّة الإنسان یجب أن تكون ذات هدف و حتی في المجال الفرديّ و لکن لیس معنی ذلک أن یكون الإنسان حرًّا من دون أيِّ قیدٍ أو شرط.

    و لكن و مع الأسف الشدید نری أنَّ الإفراط و التفریط تؤدّي بالإنسان إلی الإنحراف عن سبیل الحقّ و تجعل حیاته حیاتًا مادّیّة علی الإطلاق. فلماذا لا نرید أن نقبل بأنَّ الإنسان له كرامته و أنَّ هذه الكرامة لا تنحصر بوجوده في الحیاة الدنیا التي تمرُّ مَرّ السحاب في دار الفناء.  و لذلك فیجب أن لا نُخادع أنفسنا و نشغلها بالمفاهیم المُبهَمَة المُعقّدة، بل یجب أن تُدَوَّن نصوص القوانین بتعابیر و نصوص واضحة بصورة تُهیّئ للإنسان الإحساس بالعزّة و الكرامة و عندئذٍ یتسهّل له الرُّقيّ الفكريّ و الأخلاقيّ حین ینال حقّه.  

    فخلاصة الكلام هو أنّه یجب أن نقبل بأنَّ خِلقةِ الإنسان تختلف تمامًا عن خلقة الجمادات و النباتات و الحیوانات و أنَّ له إمتیازات ذاتیّة و معنویّة. فإنَّ للإنسان حقُّهُ لینال الكمال و السعادة و الحیاة و الحرّیّة و الأمنیّة و هي الأمور التي تخصّه و لذلك یجب علی الجمیع أن یسعوا لإیصال كلّ هذه المعنویّات إلی البشریّة لکي یتم سنّ القوانین التي تخصُّ الإنسان لهدایته في المسیر نحو الکمال الذي هو في الشأن الحقیقيّ للإنسانیّة. 

    فبناءً علی كلّ ما جری من البیانات یتّضح لنا بأنَّ الإنسان هو إنسانٌ حرٌّ و لیس عبدًا إلاّ لله تبارك وتعالی و لیس للأُناس الآخرین ویجب أن لایؤسس أيِّ أحدٍ مجتمعٌ تنتشر فیه العبودیّة وبیع وشراء الناس كعبید مملوکین، كما هو مُدوَّنٌ في المادّة الرابعة لهذه الإعلامیّة. و ما لا شك فیه هو لو إن تمّ الإستیلاء علی الناس بواسطة جنود أو بواسطة مَدَنیِین أو أنّهُم أصبحوا أَساری في الحروب بین الدُّوَل، فیجب أن یتمّ التعامُل معهُم وفقًا للأصول و الأحكام الإنسانیّة و یجب أن لا یَظلموا الأطفال و النساء و المُسِنّین من الرجال و النساء و أن لا یتعاملوا معهم بالتحقیر و الظلم أو أن یُعذِّبوهم، بل و یجب حفظ حرمتهم و کرامتهم وفقًا للأصول الإنسانیّة.

    نسأل الله تبارك و تعالی أن یمُنَّ علینا جمیعًا بالهدی والعرفان والأخلاق الحسنة ومراعاة حقوق الآخرین أیًّا ما كانوا و التوفیق لطاعته والتوجّه إلیه جلَّ وعلا بقلبٍ سلیم ملیئٌ بالحبّ له و لعباده الصالحین والتعمُّق في الإیمان به و العمل الصالح في سبیله عزّ و جلّ.

                                                                                                                  والسلام علیكم و رحمة الله و بركاته



    [1] . سورة إبراهیم (ع) (14)؛ الآیه: 1

    [2] . سورة الأنفال (8)؛ الآیه: 24  



    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :