facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 79254
    تاريخ نشره : 7/24/2015 7:40:03 PM

    المعارف الإسلامیّة (152) الإسلام و حقوق الإنسان (28)

                                   

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    24.07.2015


              

      بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .

    من بعد أن تكلّمنا في الخُطَب الماضیة عن المقدّمات التي تخصُّ حقوق الإنسان و البحوث المهمّة المدوّنة في نصوص الإعلامیّة العالمیّة لحقوق الإنسان التي قد تمّ َتصویبها في یوم10/12/1948 ( العاشر من شهر كانون الثاني لعام ألف و تسعمائة وثمانیة وأربعین ) في المَجمَع العامّ لهیئة الأمَم المتّحدة، فلننظر الآن من وجهة النظر الدینیّة ما یتواجد في هذه الإعلامیّة. 

     إنَّ ما لاشك فیه هو أنَّ هنالك الكثیر من التعابیر التي لاتكون موردًا للقبول من قِبَل الجمیع و كثیراً ما تکون هنالك الإعتراضات علیها ولكن البعض یعتقد أنَّ هذه الإعلانیّة العالمیّة لحقوق الإنسان هي أكمل وأحسن ما یمكن أن تكون ولكنَّ هذه النظرة، هي نظرة إفراطیّة شدیدة، إذ أنَّ في الكثیر من تلك النصوص النواقص التي علیها الإعتراض و النقد فیما یخصُّ محتویاتها إذ أنَّ الكثیر منها تُناقض نظرة كونها كاملة في ترتیبها و نظمها.

    كما و أنّ هنالك من الناس من هم لایقبلون متون هذه الإعلامیّة ولكن الرفض المطلق لكلّ الإعلامیّة هو أیضًا نظرة إفراطیّة، إذ أنَّ فی الإعلامیّة نصوص فیها التأكید علی الدفاع عن حقوق الإنسان وكرامته والمنع والرفض لكلّ نوع من الخشونة تجاه الإنسان و خصوصاً ما یكون ضد النساء و الأطفال. 

    و بالرغم من كلّ ذلك یجب أن لا ننسی أنَّ نشوء النصوص لحقوق الإنسان في الغرب، هو من نتائج الضروریّات الإجتماعیّة و التحوُّلات و الإنقلابات في المجتمعات الإنسانیّة التي قاموا بها ضدّ الأنظمة الإستبدادیّة مثل إعلامیّة حقوق الإنسان و المواطنین في الثورة الفرنسیّة التي قام بها المواطنین في عام 1789 (ألفٍ و سبعمائة و تسعٍ و ثمانین) و التي كانت قد دُوِّنَت في 17 (سبعة عشر مادّة) و هي التي فیها بیان البعض من حقوق الإنسان.

     و ما لاشك فیه هو أنَّ هذه الإعلامیّة تكون قد دُوِّنَت وفقًا للظروف السائدة في زمان تألیفها، فلا یمكن أن تشمل هذه الإعلامیّة أو حتّی الإعلامیّة العالمیّة لحقوق الإنسان و بكلّ أبعاد حقوق الإنسان، إذ أنّه بالرغم من أنَّ حقوق الإنسان كانت قد دُوِّنَت في 30 (ثلاثین) بند و تشمل مجالٍ أوسع ، و لكنّها كانت قد دُوِّنَت وفقًا للضروریّات التي كانت تسود العالم من بعد الحرب العالمیّة الأولی و الحرب العالمیّة الثانیة.

    و عند التمعُّن في هذه التواضیح نری أنَّ المواضع المذكورة فی هذه الأسناد العالمیّة التي تخصُّ الإنسان خالیة عن النظرات الفلسفیّة الفكریّة والعقائدیّة ولذلك فإنّها لا یمكن أن تكون شاملة لكلّ الموارد و المشاكل، بل أنّها تشمل الضروریّات الإجتماعیّة و لحدٍّ ما تشمل الأمور المبنیّة علی الأسس الإجتماعیّة. كما و أنَّ هذه الإعلامیّة لا یمكن أن  سائدة في كلّ العصور و كلّ المناطق علی الكرة الأرضیّة.                                                                                                                                                                    

     و لذلك فقد حان الوقت لكي یتوجّه العلماء و ذوي الخبرة إلی دراسة و معرفة الحوائج الحقیقیّة الجامعة للناس في الوقت الحاضر و بالإستناد علی مصادر الوحي و العقل لتنظیم و تحریر القوانین و تدوینها  وفقًا للأنظمة المنطقیّة. وما لا شك فیه هو أنَّ القیام بهذا العمل یستوجب دراسة المعارف الإنسانیّة و الإجتماعیّة بكلّ دقّة ، لكي تكون هذه الإعلامیّة النسخة العامّة التي فیها النّصوص التي یتمكن الجمیع من الإستفادة منها و الإستناد علیها و من دون التفكیك بین اللون و النسل و اللغة و القومیّة و المواقع الجغرافیّة و الأوضاع و الأحوال الإجتماعیّة المتغیّرة، کما ویجب أن تكون المیزان الذي یمكن الإستناد علیه بالصلاحیّة الجمعیّة و الفردیّة و أیّة نظرة أخری علی أن تكون كلّها مبنیّة علی ما أراده الله تبارك و تعالی للإنسانیّة، و لذلك فإنَّ لائحة حقوق الإنسان هي لائحة عالمیّة.

     إنَّ هذه الحقوق هي الحقوقٌ الطبیعیّة التي لا جدال فیها و یجب أن تكون مضمونة لكلّ أعضاء العائلة البشریّة و أنَّ لكلٍّ من أفراد البشریّة حقّ التمتُّع بها في أيِّ مكانٍ من العالم و كیف ما كان، إذ أنَّ حقوق الإنسان هي هدیّة إلهیّة تفضّل الله تبارك و تعالی بها علی بني آدم و لیست حقوقٌ یمنحها أيِّ إنسان إلی الآخرین في أيَّة مكانةٍ و منصبٍ ما كان، إذ أنَّ حقوق الإنسان هي حقوق ذاتیّة لكلِّ إنسان و لیست منحصرة بحقوق المواطن الذي یسكن في مدینةٍ أو منطقةٍ ما. و لذلك یجب السعي للحصول علی القوانین الذهبیّة التي تقبلها كلّ الأمم و الشعوب و الحضارات. أي أنَّ هذه الأصول من ناحیة المعارف الإجتماعیّة، هي التي تكون حقوقٌ و قوانینٌ یجب أن تُقبَل في كلّ العالم و أن یقبلها جمیع الناس لیتمتّعوا بها.

    إنَّ تدوین هذا القانون تحت وجهة النظر العالمیّة هي ما یرغبها كلّ إنسان و إنَّ تصحیح متونها وفقًا للمتطلّبات التي تحصل بمرور الزمان و وفقًا للظروف السائدة هو من الحقوق الإنسانیّة الطبیعیّة، إذ لو لم یكن الأمر كذلك لما كانت القوانین تُطابق الرشد و النموّ الفكريّ و النظريّ و الإجتماعيّ الذي لا جرم أنّه یتطوّر بمرور الزمان، كما قد سعی الكثیر من المفكرین و المسؤلین تدوین القوانین التي تخصُّ حمایة الإنسان و تطبیقها وفقًا للتطوُّرات الزمنیّة.

    فنری في سبیل المثال القانون الذي قد دَوَّنَهُ « حمورابي » قبل حوالي 4100 (أربعة آلاف و مئة عامٍ) هوالذي یشمل مئتین و خمسٍ وثمانین بندٍ مبنیّة علی الأسس العلمیّة و هي التي تخصُّ « حقوق و صلاحیّات و مسؤلیّة المشرف علی الأموال المنقولة و الغیر منقولة و التجارة و الصناعة و العائلة و الحرّیّات المدنیّة و العمل » و هلمَّ جرّا.

    و في یومنا هذا نتوقّع أنَّ القوانین و الأنظمة المدنیّة التي تُسَنُّن بإستمرار، تكون وفقًا للتطوُّرات التي تحصل بمرور العصر و الزمان و أن تشمل أكثر و أكمل ما یمكن من الأمور الإجتماعیّة. و ما یلفت الأنظار هو أنَّ الإشكالات الأساسیّة التي هي في مُتون إعلامیّة حقوق الإنسان العالمیّة هي عدم تواجُد التناسُق في البعض منها مع المنطق. فما لا شك فیه هو أنَّ القانون الذي یضمن حقوق الإنسان و یحمیها، یجب أن یكون مستندًا علی أساس الأمور الفكریّة المنطقیّة التي تخصُّ الإنسان و العالم الذي نعیشُ فیه، أوّلاً و ثمَّ أنَّه یجب علی الذین یؤلِّفون هذه القوانین ویُدوِّنونها أن یعرفون الأهداف الإنسانیّة و العالمیّة.

    یجب أن لا ینظروا مدوِّني القوانین إلی الإنسان بنظرة أن  لا صلة له بالوجود و لا « بالله الذي خلق الأزواج كلّها مما تنبت الأرض و ممّا لا تعلمون » إذ أنَّ خِلقة الإنسان للأهداف العالیة التي أرادها جلَّ و علا له بلطفه و مَنّه. فیجب أن نری هل إنَّ إجراء هذه الموادّ القانونیّة یتمّ إستیفائها بكلّ دقّة و هل هي التي توصِّله إلی أهدافه المعنويّة؟  

    و لذلك نری في الإسلام التأكید علی أنّه یجب علی الإنسان أن یعرف مكانته و مسؤلیّته أمام الله تبارك و تعالی و أمام الآخرین من عباده جلّ و علا و مكانته في الحیاة الدنیا لكي یستطیع أن یكتسب النظرة الصحیحة التي تخصُّ مكانة الإنسان لكي یستطیع أن یدوِّن القوانین المدنیّة لحمایة الإنسان بالإستناد علی كلّ ذلك.  

    نرجو الله تبارك و تعالی أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق لفهم المعارف الدینیّة الإسلامیّة ونسأله جلَّ وعلا أن یُوَفِّقنا للتعمُّق في خشیته و طاعته  بالرغبة و المحبّة له و لأولیائه علی عتبة رحمته و أن نكون خَلوقین محسنین تجاه الآخرین من عباده و أن نحمده و نشكره علی كلِّ ما وهبنا من الهُدی وأن نهتمّ بكلِّ ما في وسعنا لمعرفة سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.   

                                                                                 والسلام علیكم و رحمة الله وبركاته


     


    http://fa.izhamburg.de/files/141/Image/Articles/1394/5/2/0c1598118aa640f0b89bc62e87100405.JPG





    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :