facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 80281
    تاريخ نشره : 8/7/2015 6:57:40 PM

    المعارف الإسلامیّة (154) الإسلام و حقوق الإنسان (30)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    07.08.2015


     

                                                                بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .

    تكلّمنا في الخطبة الماضیة عن إعلامیّة حقوق الإنسان و الأمور التي لم تكن مذكورة فیها و لكن یجب أن تُضاف إلیها. و من جملة النواقص في نصوص هذه الإعلامیّة، هي عدم إستنادها علی أيِّ مصدر و لا أن أيِّ برهانٍ لها، إذ أنَّ من متون هذه الإعلامیّة هي التعابیر الكثیرة التي لیست إلّا مجرّد شعارات لا إرتباط لها بأيٍّ من المباني و الأصول و البراهین المنطقیّة و لا أن جاء ذكرُها في هذه الإعلامیّة.

    فعلی أيِّ حال إنَّ الإعلامیّة التي تخصُّ كلّ الإنسانیّة و كلّ الأزمنة و الأمكنة، فإنَّ الذین قد دوّنوها وفقًا للشروط السائدة في تلك الأزمنة، كان من المفروض أن یدوِّنوا ما كانت تتطلّبه الضروف السائدة في ذلك الزمان والأسباب التي كانت محفِّزة  لتدوینها و ذكر المنابع التي قدإستندوا علیها في تنظیم البنود والأهمّ من كلّ ذلك هوعدم بیان أنّ الإنسان هو موجودٌ حرٌّ بالذات؟  كما و لم یُذكر أنَّ كلّ الناس متساوین فیما یخصُّ حیثیّتهم و حقوقهم و أنَّ كلّ الأفراد لهم حقّ حفظ حرمتهم و إحترامهم و لایجوز تحقیرهم  كما و لایجوز القیام بأيِّ عملٍ فیه الظلم والمخالفة للإنسانیّة والشؤن البشریّة ویجب أن تكون نصوص كلّ الموادّ مدوّنة بالإستناد علی المباني الفلسفیّة و الفكریّة و لها البراهین الفكریّة بكل وضوح ، إذ أنَّ الأدیان السماویّة و التعالیم الأرضیّة و العلوم الحیاتیّة و الإنسانیّة فیها مختلف النظرات المتعارَفَة في هذه المجالات.  

    إنّنا لا نری في هذه الإعلامیّة أيِّ بیانٍ یخصُّ هذه الأمور المهمّة.فخلاصة الكلام، هو لو إن كان ابراز النظر بأنّ الإنسان هو  موجودٌ كباقي الموجودات و لا أفضلیّة له في الوجود، أو أنَّ الإنسان لیس ما هو محور الوجود في نظام الكائنات و لا أن هنالك أیّة غایة و لا أيِّ هدفٍ لوجوده و لا أن یتمتّع بأِّيّ  إستعداد یخصُّه.

    و لیست هنالك أیّة ضرورة لإلتزام الإنسان بالأصول و القیَم الأخلاقیّة، بل إنَّه یستطیع أن یكون حرًّا في أيِّ مجالٍ ما شاء و من دون أيِّ هدفٍ و غایة و یستطیع أن یُنظِّم حیاته المادّیّة كیف ما شاء و یستمرّ من دون أن یلتزم بأيِّ قیدٍ و شرط و لا أن یكون ملتزمًا بأیّة محدودیّة. فهذه الأسئلة و الكثیر من الأسئلة الأخری تُطرَح في عصرنا هذا فیما یخصُّ الإنسان، فلا بأس أن تكون قد دُوِّنَت في مقدّمة هذه الإعلامیّة، أو أنّها تكون قد ذُكرَت في النصوص المدوّنة فيها.     

    إنَّ ما یلفت الأنظار هو أنَّ تحریر العدید من القوانین الحقوقیّة قد تمَّ من دون التوجُّه إلی المباني والمنابع الضروریّة و الإستناد علیها ، فلاتكون تلك القوانین ما یقبلها العقل السلیم و لذلك فهنالك الضرورة للمراجعة و المطالعة الجدّیّة لهذه البنود بكلّ دقّة، و ما لا شك فیه هو أنّنا یجب أن نذكر بأن لو إن كانت لائحة حقوق الإنسان تشمل مجموعة من القوانین التي لها إعتبارها من دون أن یكون لها أيِّ إرتباطٍ بالأمور الحقیقیّة و التكوینیّة، فلا یمكن أن نستند علیها كبراهین، بل كما بیَّنّنا ذلك مسبقًا فهي أمور إعتباریّة.    


    و إنّ ما في حقوق الإنسان من وجهة النظر الإسلامیّة، لا یمكن أن تكون قوانین دُوِّنَت وفقًا لآراء بعض الأشخاص الحقیقیِّن أو الحقوقیِّن، بل یجب أن نتوجّه أنَّ مُسَنِّن القوانین الكاملة الشاملة هو الله تبارك و تعالی و هو الذي یسنُّها وفقًا لما هو یكون نظامًا حقوقیًّا منسجمًا مع طبیعة الإنسان و ما هو خیرٌ له بصورة واقعیّة و فیه الإرتباط الوثیق بالنظام التشریعيّ و الحقوقيّ والنظام التكوینيّ. و المشكلة الأخری هي أنَّ هذه الإعلامیّة لیس لها أیّة ضمانة إجرائیّة، بل إنّ فیها العدید من الموادّ التي قد دوِّنَت جنبًا إلی جنب من دون أیّة ضمانة لإجرائها والتدقیق فیها. فمن الواضح أنَّ القوانین تكون جدیرة للإجراء فقط ، حین یكون الذین ألّفوها و سنّنوها لم یكونوا قد راعوا مصالحهم الخاصّة فیها فقط و أن لا یكون أيِّ عاملٍ لكسرٍها أو مخالفتها عند الإجراء.  

    بل و علیهم أن یضمنوا إجرائها من دون أيِّ نوعٍ من التفسیر الموجَّه لما فیه المصالح الشخصیّة الخاصَّة لأنفسهم في أيِّ زمانٍ و مكان ما كان و أن یُعاقَب المخالفین و المتخلِّفین عنها وفقًا للبنود المدوّنة فیها. و في هذه الحالة سوف لا تكون المجتمعات البشریّة مُحرَجَة في المواجهات التي تؤدّي إلی الضعف والمشاكل، بل إنّها تؤدّي إلی الأمكانیّة لكلٍّ من أفراد المجتمعات للتمتُّع بحقوقه و الإفتخار بها وفقًا للقوانین المُسَنّنة لحقوق الإنسان و یری كلٌّ من الأفراد أنّه مسؤلٌ للدفاع عنها و الإلتزام بإجرائها. 

     و بما أنَّ الله تبارك و تعالی غنيٌّ عن كلّ نفعٍ لنفسه و أنّه جلّ و علا لایقبل أيِّ تبعیضٍ و ظلمٍ أو الحرمان من العدالة لأيِّ من عباده، بل و حتّی لأيٍّ من مخلوقاته، فحین یكون كلّ إنسان مقتنعًا بذلك من دون أيِّ شك و تردید و یعلم أنَّ المخالفة للعدالة و العمل خلافًا للقوانین الإلهیّة، سوف یجلب علیه العقاب في الآخرة، فسوف یلتزم عندئذٍ بالقوانین و یحسُّ بمسؤلیّته أمام الله عزّوجلّ. و لذلك فإنَّ الذین هم یؤمنون بالله تبارك و تعالی ، سوف لا یشكون بأنَّه جلّ و علا لا تعزب عنه صغیرة و لا كبیرة و سوف لا یسیرون في سبیل المعاصي و إرتكاب الخلافات ضد القوانین، إذ أنّهم یعلمون بأنَّ الله عزّ و جلّ یراهم، كما نری بیان ذلك في الآیة 14 من سورة العلق في قوله تعالی : « أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى‏»([1]) و في الآیة الرابعة من سورة الحدید نری في قوله تعالی: « وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصيرٌ».([2])      

     فبناءً علی أساس هذه النظرة العالمیّة سوف یكون الجمیع علی وعيٍ لتنفیذ القوانین التي تخصُّ حیاة الإنسان بصورة كاملة و علی أحسن ما یكون، إذ أنَّهُم یعلمون أن لو إن قاموا بخیانة تجاه الآخرینٍ أو إصابتهم بالأضرار، فإنَّ الله جلّ و علا لا تعزُبُ عنه صغیرة ولاكبیرة كمانری بیان ذلك في قوله تعالی: «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ»([3]) و لایجوز لأي أحدٍ أن یظنَّ أنّه یستطیع أن یقف بما یشاء أمام الحقّ في یوم القیامة كمانری بیان ذلك في قوله تعالی:«وَلايَحْسَبَنَّ الَّذينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لايُعْجِزُونَ» ([4]) وبیان ذلك هو أنَّه فلا یظنُّ الذین إتخذوا الكفر أنّهُم لایُعاقَبون و أنَّهُم یجوز لهم أن یعملوا ویكسبوا غیر الذي أراد الله تبارك وتعالی.

    نرجو الله تبارك و تعالی أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق لفهم المعارف الدینیّة الإسلامیّة ونسأله جلَّ وعلا أن یُوَفِّقنا للتعمُّق في خشیته و طاعته  بالرغبة و المحبّة له و لأولیائه علی عتبة رحمته و أن نكون خَلوقین محسنین تجاه الآخرین من عباده و أن نحمده و نشكره علی كلِّ ما وهبنا من الهُدی وأن نهتمّ بكلِّ ما في وسعنا لمعرفة سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.   

                                                                                                           والسلام علیكم و رحمة الله وبركاته 





    [1] . الآیه: 14 من سورة (96) العلق  

    [2] . الآیه:4 من سورة (57)  الحدید

    [3] . الآیه:14من سورة (89) الفجر

    [4] . الآیه: 59 من سورة (8) الأنفال



    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :