facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 86699
    تاريخ نشره : 11/6/2015 7:29:14 PM

    المعارف الإسلامیّة (160) الإسلام و حقوق الإنسان (36)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
    06.11.2015

                   

     بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .


    إنَّ موضوع كلامنا الیوم هو عن «حقّ النفس» علی الإنسان وذلك ما نراه في قول الإمام السجّاد(ع) فیما یخصُّ ذلك في بیانه «وَ حَقُ‏ نَفسِكَ‏ عَلَيْكَ‏ أَنْ تَسْتَعْمِلَهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّوَجَل‏» ([1]) فما لا شك فیه هو أنَّ هذه النظرة مهمّة جدًّا في كیفیّة نظرة الإنسان لنفسه، إذ أنَّ علی الإنسان أن یعرف مكانة نفسه أمام الله تبارك و تعالی الذي خلقنا وقد خلقنا بالحقّ فعلینا أن نسعی لطاعته جلّ و علا بأحسن ما في وسعنا لكي نتوصّل إلی الهدف من خلقتنا. 

    فما لاشك فیه هو أنَّنا لو تمعنّا في القابلیّات التي تفضّل الله تبارك و تعالی بها علینا، لیست لإستعمالها للوقوع في المعاصي و السیّئات و اللغو و إتلاف العمر فیما لاخیر لنا فیه، بل یجب علینا إدراك الهدف من خلقتنا و السعي للتوصُّل إلی الكمال المطلوب بالإستفادة من كلّ ما في وسعنا من قابلیّات في هذا المسیر و لذلك قال الإمام السجّاد(ع) أنّهُ یجب أن یكون تنظیم مسیرنا في الحیاة الدنیا بكلِّ ما في وسعنا نحو طاعته جلّ وعلا. ولكنّ لا هذا یعني أن نحرم أنفسنا من التمتّع في حیاتنا، بل إنَّ الهدف هو تنظیم الحیاة وفقًا للسُّبُل الإلهیّة و أن نُنَظِّم كلّ ما في حیاتنا في منهاج العبودیّة و طاعته تبارك و تعالی.

    إنَّ الإزدواج و تشكیل الحیاة الزوجیّة و المحبّة تجاه الآخرین و التمتُّع بالأكل و الشُّرب و الخدمات الإجتماعیّة كلّها نِعَمٌ منه جلّ و علا و متاع الحیاة الدنیا و یمكن أن یُوَلِّد الإنسان بها الإرتباط به تبارك و تعالی و حمده و شكره و عقد العلاقات الطیّبة مع الآخرین و التعامُل الحسن بالمحیط الذي نعیش فیه.

    إنَّ هذا الموضوع أي موضوع حقّ النفس هو من الأمور المُهمّة التي یجب علی الإنسان أن یراعیها، إذ أنَّ الإنسان سوف یُدرِك حینئذٍ المعاني و المفاهیم الحقیقیّة لوجوده في الحیاة الدنیا و الهدف من وجوده فیها. و لكنّ ما لاشك فیه هو أنّنا لا نستطیع أدائها ما لم نستعن بالله تبارك و تعالی فهو الذي یُعیننا و یهدینا في كلّ الأمور، و لذلك فإنَّ معرفة النفس بصورة صحیحة مهمٌّ جدًّا لتربیتها بالتي هي أحسن. فالسؤال المطروح هو: كیف نستطیع أن نُحَقِّق هذا الأمر المهمّ؟

    و هذا ما یُبیّنهُ لنا الإمام السجّاد(ع) علاوة علی الكثیر من الأمور الأخری  في شرح حقوق الإنسان و هي الأمور التي لو إن تمسّك الإنسان بالعمل بها لكانت تربیة الناس بأحسن ما یكون في مسیرهم نحو الكمال. 

     


    حق اللسان

    قال الإمام السجّاد(ع) في بیاناته الجمیلة فیما یخصُّ حقّ اللسان « وَ أَمَّا حَقُّ اللِّسَانِ فَإِكرَامُهُ عَنِ الخَنَا وَ تَعْوِيدُهُ عَلَى الخَيْرِ وَحَمْلُهُ عَلَى الأَدَب وَإِجْمَامُهُ إِلَّا لِمَوْضِعِ الحَاجَةِ وَالمَنفَعَةِ لِلدِّينِ وَالدُّنيَا وَإِعْفَاؤُهُ عَنِ الفُضُولِ الشَّنِعَةِ القَلِيلَةِ الفَائِدَةِ الَّتِي لَايُؤْمَنُ ضَرَرُهَا مَعَ قِلَّةِ عَائِدَتِهَا وَ يُعَدُّ شَاهِدَ العَقلِ وَالدَّلِيلَ عَلَيْهِ وَ تَزَيُّنُ العَاقِلِ بِعَقلِهِ حُسْنُ سِيرَتِهِ فِي لِسَانِهِ وَ لاقُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏ العَلِيِّ العَظِيم» ([2])  و ما یلفت الأنظار في هذا البیان هو أنّ الإمام السجّاد(ع) بدأ الكلام عن حقّ اللسان كما و أنّنا نری في نهج البلاغة أیضًا بیان ما یخصُّ المتّقین قوله أنَّ « مَنطِقُهُمُ‏ الصَّوَاب‏» ([3]) و هكذا یتّضح لنا أنَّ علینا أن نُرَبّي كلّ أعضائنا و جوارحنا للقیام بالسلوك العملیّة بأحسن ما یكون، إذ أنَّ الكثیر من المعاصي هي التي نقع فیها بواسطة هذه الأعضاء السبعة ، إذ أنَّ علی الإنسان أن لا یتباهی بالشعارات والتفاخُرات، بل إنَّ علیه أن یعتني بتربیة النفس الأمّارة بالسوء و السیطرة علیها في كلّ مجالات الأعمال و الأقوال. إذ أنَّ الله تبارك و تعالی یُجازي عبده الذي یسیطر علی میوله و أهوائه.  

     إن لم یسیطر الإنسان علی لسانه، فسوف تصدر منه الكثیر من المعاصي إذ أنَّ هنالك من عشرین إلی أكثر من مئة نوعٍ من المعاصي التي یقع الإنسان فیها عند الغفلة عن السیطرة علی لسانه. و من جهة أخری فإنَّ اللسان هو من أكبر النِّعَم التي تفضّل بها الباري جلّ و علا علی الإنسان كما نری بیان ذلك في قوله تعالی: «خَلَقَ الإِنسانَ عَلَّمَهُ‏ البَيان‏» ([4]) كما ونری في بیان الإمام عليّ بن أبی طالب بیان أنَّ اللسان هو مظهر ما یخفی في نفس الإنسان في قوله(ع) «تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ المَرْءَ مَخبُوءٌ تَحْتَ‏ لِسَانِه»([5])                    ما زال إمرءٍ یبقی ساكتًا           سیبقی عیبه في الستر خافتًا

     فما لا شك فیه هو أنَّ اللسان من العوامل المؤثِّرة في نشر الصلاح أو الفساد في المجتمعات، إذ أنَّ اللسان من أحسن الوسائل التي یمكن أن تنتشر بها الفضائل و القِیَم الإنسانیّة في المجتمعات و لو إن لم یتمّ الإستفادة منه بصورة صحیحة ، فهو من أكبر العوامل في نشر الفساد بین الأفراد و في المجتمعات. فكم من كلامٍ یصدر من دون تفكیر و تأّنّيٍ یؤدّي إلی إشعال الحرب بین الشعوب و ذلك ما یؤدّي إلی وقوع الكثیر من القتلی و الضحایا الأبریاء و لذلك قال الإمام السجّاد(ع) ما محتواه هو أنَّه یجب الإستفادة من اللسان و البیان لتهیئة الأرضیّة لنشر الكمال و الرشاد للإنسان في المجتمع الذي یعیش فیه.

    یجب علی الإنسان أن یتعلّم حسن البیان و جمیل الكلام و أن یحفظ لسانه من الغیبة و النمیمة و إتِّهام الآخرین و الإفتراء و الذمّ و الفحشاء و أمثال ذلك و الكثیر من المساوئ الأخری. و أن یكون دائمًا علی حذر من آفات اللسان و أن یهتمّ بمبارزة ما یدور في نفسه تجاه كلّ ذلك. و لذلك یستفید الكثیر من علماء الأخلاق في الإسلام من الآیات في القرآن الكریم و الأحادیث و الروایات التي فیها بیان ضرورة المبارزة ضد كلّ هذه المساوئ و منها هو أنَّ إنتخاب الصمت و السكوت خیر التصرُّفات في بعض الأحیان. جاء في روایة عن صفوان بن سلیم  أنّ رسول الله(ص) قال فیها : «ألا أُخبِرِكُم بأيسَرِ العِبادة، وأهوَنِها على البدن؟ الصمت، و حسن الخلق» ([6]) و أمّا ما یخصُّ الإمتناع عن الكلام الذي لا فائدة له نراه في التوصیة الحثیثة في قول رسول الله(ص) «مِنْ‏ حُسْنِ‏ إِسْلَامِ‏ المَرْءِ تَرْكُهُ‏ الكَلَامَ‏ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ» ([7])  كما و هنالك وصایة للكلام فقط بقدر ما فیه الضرورة في قوله (ص) «طُوبَى لِمَنْ أَمْسَكَ الفَضلَ‏ مِنْ‏ لِسَانِهِ‏ وَ أَنفَقَ الفَضلَ مِنْ مَالِهِ‏» ([8]) كما و هنالك الوصایا الحثیثة للإمتناع عن الإصرار في الجدل كما نری بیان ذلك في قوله(ص) « لَايَسْتَكمِلُ‏ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَدَعَ‏ المِرَاءَ وَ إِنْ كَانَ مُحِقّا» ([9])

     و لذلك فإنّ الذین یریدون السیطرة علی لسانهم یجب علیهم أن یتكلّموا بمقدار ما هو ضروريٌّ و هنالك جملة فیها بیان السیطرة علی اللسان كما نری ذلك في المثل العروف: «لسانك حصانك إن صنته صانك» کما و یجب أن نتجنّب عن الإستهزاء تجاه الآخرین بالکلام السخیف و المزاح الذي لا یتناسب و علینا أن نربّي لساننا للکلام الصحیح و الصدق و أن نمتنع عن الکذب بکلّ جدٍّ و جُهد لکي لا نتعوّد علی الکذب و الإفتراء.

     فلو إن تمَّ معرفة اللسان حقّ المعرفة، وإستمرّ الإنسان في مسیر الفضائل و عمل بوصایا الإمام السجّاد(ع) بکلّ دقّة، فسیکون قد أدّی حقَّ لسانه بصورة جیّدة و صحیحة. کما و یجب علینا أن نمتنع بشدّة عن إبراز الرذائل الأخلاقیّة باللسان و أن لا نغفل عن أنَّ اللسان هو مظهر العقل و الحکمة عند الإنسان و هو الذي یزیُّن الإنسان و أنَّ مظهر العقل یکون باللسان الطیِّب و القول الحسن و إظهار الأدب تجاه الآخرین. و للإستفادة من هذه النعمة الإلهیّة الکبری یجب علینا أن نستعین به جلّ و علا للعمل بما فیه الخیر و الصلاح لنا في دار الممرّ و الأجر و الفلاح في دار المقرّ بإذنه تبارک وتعالی و هو وليُّ کلّ توفیق و له الحمد و الشکر علی کلّ النِّعَم.

    نرجو الله تبارك وتعالی أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق لفهم المعارف الدینیّة الإسلامیّة ونسأله جلَّ وعلا أن یُوَفِّقنا للتعمُّق في خشیته و طاعته  بالرغبة و المحبّة له و لأولیائه علی عتبة رحمته و أن نكون خَلوقین محسنین تجاه الآخرین من عباده و أن نحمده و نشكره علی كلِّ ما وهبنا من الهُدی وأن نهتمّ بكلِّ ما في وسعنا لمعرفة سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.                                             

          والسلام علیكم و رحمة الله وبركاته 








    [1].  إبن بابويه، محمدبن على، الشیخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج2، ص619.

    2 . إبن شعبة الحرانى، حسن بن على، تحف العقول، ص256، قم، جامعة المدرسين، الطبعة الثانیة 1404ق.

    [3] . نهج البلاغة، خطبة/193.

    [4] . الرحمن/3و4.

    [5] . نهج البلاغة، حكمة/392.

    [6]. ابن أبي الدنيا، الصمت و آداب اللسان، ص43، ح27، تحقيق أبو إسحاق الحويني، بیروت، چ اول، 1410ق. و الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء، ج 5، ص194، تصحیح علی اكبر الغفاری، قم، مكتب الإنتشارات الإسلامیّة، الطبعة الثانیة

    [7] . مفيد، محمد بن محمد، الأمالي، ص34، ح9، قم، كنگره شيخ مفيد، الطبعة الأولی، 1413ق.

    [8] . ورام بن أبي فراس، مسعود بن عيسى، تنبيه الخواطر، ج1، ص108، قم، مكتبة الفقيه، الطبعة الأولی، 1410ق.

    [9] .شهيد ثانى، زين الدين بن على، منية المريد، ص171، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، چ اول، 1409ق.


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :