| الفجـر | 05:54 |
| طلـوع الشمس | 07:51 |
| الظهـر | 12:34 |
| العصـر | 14:48 |
| المغـرب | 17:45 |
| العشـاء | 18:48 |
| منتصف اللیل | 23:34 |
التعلیق: 0
الخطیب: حجة الإسلام و المسلمین الأستاذ السید محمد ناصرالتقويالمداراة في الإسلام (20)« الحمد لله رب العالمین، و الحمدلله الذي لبس العزّ و الكبریاء و إختارهما لنفسه دون خلقه جعلهما حمیً و حرمًا علی غیره و إصطفاهما لجلاله. و الصلواة و السلام علی خاتم الأنبیاء و المرسلین محمّدٌ علیه أفضل الصلواة وعلی آله أجمعین و علی صحبه المنتجبین المكرمین.
عباد الله أوصیكم و نفسي بتقوی الله و العمل بطاعته و إجتناب معصیته، فإنـَّه من یطع الله و رسوله فقد فاز فوزًا عظیما.
خصائص المتقین:
إنَّ للتقوی خصائص وعلائم خاصّة یُشار إلیها في القرآن الكریم و منها ما جاء في الآیة177 منسورة البقرة في قوله تعالی: « لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. »
و من أهمّ الخصائص البارزة للمتقین هي إنطباق القول و العمل كما نری ذلك في نهایة الآیة المذكورة في قوله تعالی: « أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ . » فإنَّ الصدق هو التوافق بین القول و العمل و لكنّ الذین ینشغفون بالظواهر من الأمور و ینشغلون بها و ینطقون و لا یعملون، هم الذین یتلفون وقتهم بما لا معنی له و لا مغزی. و لذلك نری تعبیر « و الذین آمنوا و عملوا الصالحات. . » في الكثیر من الآیات و ذكر كلمة العمل الصالح مقرونٌ بالإیمان.
و لیس المتقین هم الذین من أهل الثقة والإعتماد في الأمور الإجتماعیّة و هم الذین ینفقون في السرّاء و الضرّاء من أموالهم و طاقتهم للفقراء والمحتاجین فقط ، بل إنـَّهم ذوي العزم و الثبات في عبادته جلَّ و علا بخضوع و خشوع كما یصفهم الباري عزّ و جل في الآیات 15 و ما تلیها من سورة الذاریات في قوله تعالی: « إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15)آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16)كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17)وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) »
و علاوة علی كلِّ ذلك ، فلا ینحصر عمل المُتَّقین بمعونة الفقراء و المحتاجین ، بل إنـَّهم یقومون بالعبادات و المناجاة في اللیل و یستغفرون بالأسحار من دون ریاء ٍ و تظاهر و حین لا یراهم أحدٌ من الناس. فالتوافق بین القول و العمل إذن هو من أهمّ خصائص المتقین كما یصفهم المولی العزیز القدیر في الآیة التي ذُكرَت في قوله تعالی: « . . وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ . »
و ما نراه في الروایات و الأحادیث الإسلامیّة عن خصائص المتّقین هو تقارن القول بالعمل و تطبیق العقیدة في الحیاة بالصدق و الوفاء كما نری مصداق ذلك في ما قاله أمیر المتّقین عليّ (ع) في ـ خطبة همّام ـ المدرجة في كتاب نهج البلاغة في أوصاف المتّقین بأنَّ « . . منطقهم الصواب . .» و إنَّهم لا یقولون ما لا یعملون و لا یعدون ما لا یوفون.
و في روایة عن الإمام محمّد الباقر(ع) قال فیها: « إنَّ لأهل التقوی علاماتٌ یُعرفون بها: صدق الحدیث و أداء الأمانة و الوفاء بالعهد. » (میزان الحكمة)و نسأل الله تبارك و تعالی أن یجعلنا من المتّقین المؤمنین الذین یعملون الصالحات و هو وليُّ التوفیق.
خلاصة الكلام عن المداراة:
لو أردنا أن نجمع خلاصة الكلام عن المداراة بالإستناد علی ما جاء في القرآن الكریم و الأحادیث النبویّة و الأقوال الحكیمة التي تُروی عن الأئمّة (ع) ، فإنـَّنا نستطیع أن نقول بأنَّ « الدین هو المداراة » كما كان الرسول الأكرم المصطفی الأمجد أبوالقاسم محمّد (ص) یعرِّف نفسه بأنـَّه رسول المداراة. كما و أنَّ الله تبارك و تعالی یوصي رسوله الأمین (ص) في القرآن الكریم بالمداراة لیس مع المسلمین فقط ، بل مع تابعي الأدیان الأخری و حتّی مع المشركین.
إنَّ من الأسس الأخلاقیّة في الإسلام هو الإرتباط الوثیق بین المداراة و العقل الذي هو من أكبر المواهب الإلهیّة للإنسان و الذي به یمتاز الإنسان علی باقي المخلوقات، كما قال رسول الله (ص) : « إنَّ أعقل الناس هو أشدُّهم مداراةً للناس.» و لذلك فإنَّ الإنسانیّة تنتج من العقلانیّة و كلاهما مرتبطان مع البعض، كما قال أمیر المؤمنین عليّ (ع) « رأس الحكمة مداراة الناس.»
إنَّ المداراة هي ما قال عنه رسول الرحمة و الرأفة : « مداراة الناس نصف الإیمان.» إنَّ الإسلام لا یوصي بالمداراة مع العائلة و الأقرباء فقط ، بل إنـَّه یوصي بالمداراة حتّی مع الأعداء.
و رأینا فیما ذكرناه من روایات إسلامیّة تشویق و ترغیب بكلّ جَدٍّ للمداراة إذ أنَّ للمداراة نتائج إیجابیّة في الحیاة و أنَّ لعدم رعایتها آثار سلبیّة. كما و أنَّ سیرة الأنبیاء و الكبار من رجال الدین في الإسلام كانت المداراة مع جمیع أقشار المجتمع سواءًا إن كانوا أصدقاءٌ أو كانوا من الأعداء.
لقد تحمّل رسول الله (ص) منذ بدایة البعثة الكثیر من الأذی من المشركین حتّی قال « ما أوذي رسولٌ مثل ما أوذیت » و لم یكن ردَّ فعله بالرغم من كلّ ذلك سوی دُعاءِهِ قائلاً « أللهمَّ إغفر لقومي بأنـَّهم لا یعلمون » (بحار الأنوار ج 98 ص 167) پ
حین أنتصر الرسول الأكرم (ص) في فتح مكـّة المكرّمة كان علی قمّة السیطرة علی الأمور السیاسیّة و الإجتماعیّة و لکن لم یصدر منه سوی أعلی الدرجات من الرأفة و الرحمة إذ أنـَّه أعلن العفو العام الذي شمل حتّی أولئك الذین آذوه طوال الأعوام الكثیرة و كان هذا هو الرسول الذي وصفه الله تبارك و تعالی في القرآن الكریم بقوله: « إنـَّك لعلی خلقٍ عظیم.»
و کانت النتیجة الأخلاقیّة و الإجتماعیّة للمداراة في الإسلام أنَّ الکبار من الشخصیّات الإسلامیّة و أعلاهم رسول الله (ص) الذي قال عنه الله جلَّ وعلا أنـّه الأسوة الحسنة و أهل بیته الطیِّبین الطاهرین (ع) و أصحابه المنتجبین و الآخرین من الأولیاء و الشخصیّات الکبار و العلماء و المفکـِّرین کانوا قدوة للناس و هم الذین زرعوا شجرة التفکـُّر و التأمـُّل في البلاد الإسلامیّة و إمتدَّت جذورها و إنتشرت أغصانها و کانوا المُثـُل العلیا في الأخلاق و المداراة.
إنَّ الفلاسفة و العرفاء الکبار من أمثال محیي الدین العربي و المولا الرومي و سعدي و الفرطوسي هم من ثمار تلک الوصایا الأخلاقیّة الثمینة. و یقول الفرطوسي:
إنـَّما المداراة أخو العقل و العقل هو الذي یحکم علی النفس
کما و قال السعدي: یا سعديّ لا سبیل سوی الثبات و التحمُّل و المدراة.
إنَّ شرح و بیان سیرة المداراة کما یشرحها هؤلاء الکبار یستغرق الوقت الطویل، و لکنّ المهمّ هو أنَّ المداراة التي هي رسالة الإسلام ویجب أن تکون لنا أساس التعامل مع الآخرین في الحیاة الفردیّة و الإجتماعیّة، کما قال رسول الله (ص) أنَّ المداراة کانت سیرة کلّ الرسل و الأنبیاء و الأدیان الإبراهیمیّة.
إنَّ المداراة بین شخصین متساویین أمرٌ جیِّدٌ مرغوبٌ فیه و لکنَّ الأحسن من ذلک هو المداراة من طرف الأقوی تجاه الأضعف. و کذلک الأمر بالنسبة إلی الدُّول و الحکومات کما وصّی أمیر المؤمنین (ع) المالک الأشتر حین خوله الصلاحیّة بکلِّ تأکید بالمداراة مع الناس.
إنَّ قوام الصِّلات الإجتماعیّة و حَلاوتها هو من المداراة و حسن المعاشرة کما نری ذلک في الآیة 83 من سورة البقرة في قوله تعالی: « وَقـُولـُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً ». و کما نری في ما ینقله المفسِّرین في تفسیر هذه الآیة مثل العلاّمة الطباطبائي في کتابه « المیزان » هو أنَّ حسن المعاشرة مع الناس کافرهم و مؤمنهم ، مسلمٌ أو غیر مسلم. و بناءًا علی ذلک فإنَّ الذي یتکلـَّم عن الإسلام و الإیمان و لکنـَّه لیس من أهل حُسن المعاشرة و المداراة مع الجمیع فإنَّ إیمانه و إسلامه فيه خلل. إنَّ المسلم الحقیقيّ هو الذي یعمل بالتعالیم الإسلامیّة و یَتـَّخذ الرسول الأکرم (ص) أسوة لنفسه في کلِّ التصرُّفات و الإخلاق مع الآخرین.
و نأمل إن یکون في هذا الیوم الذي هو بدایة الربیع و فیه تبدأ الأزهار و الأوراد بالإنفتاح أن تنفتح في صدورنا أزهارالفضائل و المداراة و حسن المعاشرة مع الجمیع و أن تزدهر أشجار الأخلاق الحسنة في صدورنا لتحمل ثمار الملاطفة مع الجمیع إنشاء الله تبارک و تعالی إنـَّه هو وليٌّ کل نعمة.
و السلام علیكم و رحمة الله و بركاته. |