Donnerstag 09. 2012 (Hamburg)
الفجـر 05:54
طلـوع الشمس 07:51
الظهـر 12:34
العصـر 14:48
المغـرب 17:45
العشـاء 18:48
منتصف اللیل 23:34
الصفحة الأصلیّة :: صلاة الجمعة :: المخزن :: 12.06.2009 - سلسلة بحوث معرفة القرآن الكریم (7)
التعلیق: 0
الخطیب: حجة الإسلام و المسلمین الدكتور رضا الرمضاني

سلسلة بحوث معرفة القرآن الكریم (7)

الحمد لله رب العالمین، بارئ الخلائق أجمعین ، نحمده و به نستعین ، ونشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شریك له، و نشهد أنَّ محمدًا عبده و رسوله، علیه و علی آله أفضل الصلاة و السلام و علی صحبه المنتجبین.
عباد الله أوصیكم و نفسي بتقوی الله فإنَّ خیر الزاد التقوی.
تكلـّمنا في الخطب الماضیة عن القرآن الكریم و قلنا أنـَّه كلام العليّ العظیم موجَّه ٌ إلی عباده و أنَّ الإنسان الذي یتمسَّك به یهتدي في حیاته إلی سبیل الرشاد و أنـَّه یتوجّه إلی الله جلَّ و علا لیعبده و یتقرَّب إلیه. كما و قد إتَّضح لنا أنَّ القرآن الكریم هو الكتاب الوحید الذي فیه جمیع المعارف و فیه كلّ الأمور التي تخصُّ وجود الإنسان و كنهه. و فیه الخطاب الموجّه للإنسان لکي یهتدي في حیاته في كلّ الأمور سواءًا إن كانت أخلاقیّة أو إجتماعیّة أو عبادیّة.
و ما لا شكَّ فیه ، هو أنَّ الإنسان الذي یستأنس بالقرآن الكریم و یقرأه بقلبٍ مفتوح لیتنوّر بنور الآیات التي فیه و یتدبـّر فیها ، فإنـَّه سوف یصل إلی الیقین في كنه وجوده و یبدأ بالعمل بتعالیمه الحكیمة و یصبح في أمانٍ من الضلال و التیاه و لذلك فیجب علی كلّ من یرید الهدی أن یستأنس به و یصحبه في كلّ لحظة من حیاته لكي یصحبه القرآن یوم یفرّ المرء من أخیه و صاحبته و بنیه.
و حین نتمعـَّن في معاني الآیات و الروایات التي تخصَّها ، نری الضرورة الماسّة لذلك كما جاء في الآیات المذكورة هنا مثلاً في قوله تعالی: الآیة 15 من سورة المائدة فْ قوله تعالي: « . .  قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ» و فيالآیة 82 من سورة الأسراء: « وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ. » . و فيالآیة 16 من سورة المائدة : « . يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَم . »
و في آیاتٍ أُ ُخَرٍ بلاغٌ بأنَّ القرآن الكریم یُخرج الإنسان من الظلمات إلی النور كما نری ذلك في بدایة سورة إبراهیم (ع) في قوله تعالی: « كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ . » فعلينا إذن أن نتمسك بالقرآن الكریم و نتلوه لتحریر أنفسنا من اللواث و المعاصي و خیر بیانٌ لذلك هو ما قاله أمیر المؤمنین عليّ (ع) لإبن حنیفة « علیك بتلاوة القرآن و العمل به و الإلتزام بالفرائض من حلالٍ و حرام و أمره و نهیه و التهجُّد بتلاوته في لیلك و نهارك.» (1) كما و أنـَّنا نری في خطبته حین كان یصف المتَّقین لهمّام و منها هذه العبارات التي قال فیها: « . . أمّا اللیل فصافـّون أقدامهم تالین لأجزاء القرآن یُرتـِّلونه ترتیلا ، یُحـَزِّنون أنفسهم و یستثیرون به دواء دائهم ،فإذا مرّوا بآیةٍ فیها تشویقٌ ركنوا إلیها طمعًا ، و تطلـَّعَت نفوسهم إلیها شوقـًا ، و ظنـَّوا أنـَّها نـُصب أعینهم و إذا مرّوا بـآیةٍ فیها تخویفٌ أصغوا إلیها مسامع قلوبهم ، و ظنّوا إنَّ زفیر جهنم و شهیقها في أصول آذانهم . . » (2)
و من الجدیر بالذكر هنا هوالتطرُّق إلی أسالیب الأنس بالقرآن الكریم:
إنَّ أوّل خطوة لكلّ مسلم في طریق الأنس بالقرآن الكریم هو وجوب تعلـّم قرائته و تلاوته و أن یُخصِّص من بعد ذلك في كلّ یوم وقتـًا لقرائته و تلاوته، لأنَّ المسلم الذي یقرأ القرآن الكریم سوف یكون علی وعيٍ و علمٍ بواجباته و سوف لا یغفل عنها كما یدعونا الله تبارك و تعالی بذلك في الآیة 20 من سورة المزَّمِّل في قوله تعالی: « فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ » و لو أنـَّنا علمنا ما لهذه القراءة من مكانة و أجر و ثواب ، لما قصَّرنا في القیام به أبدًا، إذ أنَّ التلاوة هذه تـُطهِّر ذات الإنسان كما عبّر عن ذلك الإمام الصادق (ع) قائلا ً « إنَّ البیت الذي كان فیه المرء المسلمیتلو القرآن یتراءآه أهل السماء كما یتراءی أهل الأرض الكوكب الدرّي في السماء.»(3) و يجب علينا أن لا ننسی شروط التلاوة و منها الطهر و النظافة الجسمیّة و أن نكون علی وضوءٍ و لا بأس بتنظيف الأسنان حین نرید أن ننطق بكلام الله جلَّ و علا بلساننا و تعبیر الكلمات بأفواهنا كما نصح بذلك رسول الله (ص) حیث قال ما هو محتواه « نظفوا طریق القرآن . فقیل یا رسول الله ما هو طریق القرآن؟ فقال (ص) أفواهكم! فسألوه وَ بـِمَ؟ فقال بالمسواك!»
و علینا أن نستعیذ بالله من الشیطان الرجیم حین نرید أن نبدأ بقراءة القرآن الكریم كما جاء ذلك في الآیة 98 من سورة النحل في قوله تعالی: « فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم. » كما و یجب تلاوة الآیات بتمعُّن ٍ و إخلاص ، إذ أنَّ القارئ یمكن أن یبتغي بذلك تكثیر ما عندهأو أنـَّه یرید یكون أولی من غیره و كذلك یمكن أن یُراعي اللفظ و اللحن و لكنـَّه یُضَیِّع الحدود. و یمكن أن یكون البعض یتلون القرآن الكریم و هم راجین بذلك الشفاء لآلام قلوبهم و لذلك یقومون لیلهم ساهرین عابدین ساجدین للمولی العزیز العلیم و یجعلون في تلاوة القرآن الكریم مسیرة حیاتهم في دار مَمَرِّهم و ذُخرًا لدار مقرِّهم.
و الخطوة الثانیةللأنس بالقرآن الكریم هو حفظه. و العامل الذي كان ضمانٌ لبقاء الكتاب الإلهيّ و حفظه من التحریف و الدسائس الشیطانیّة، هو حفظ المؤمنین المعاصرین لما نزلت من الآیات ، وكان ذلك الضمان لصیانتهم و بقائهم علی التقوی. و حتـّی الأئمّة المعصومین (ع) كانوا یحترمون حافظي القرآن الكریم بصورة خاصّة و كانوا یجعلون ذلك الملاك في إنتخابهم لتخویلهم المسؤولیّة في الأمور الإجتماعیّة كما و أنَّ رسول الله (ص) كان ینتخب هؤلاء المؤمنین لإعطائهم المناصب و جعلهم إمام الجماعة. و في معركة أ ُحُد، حین أرادوا دفن الشهداء كانوا یُقـَدِّمون القـُرّآء و حفظة القرآن الكریم. (4) و بناءًا علی كلِّ ذلك فيجب أن يكون هنالك إشتیاقٌ قلبيٌّ و عزمٌ و تكرارٌ لحفظ القرآن الكریم و تلاوته عند كلِّ مسلم.
و الخطوة الثالثةللأنس بالقرآن الكریم هي السعي لتلاوته بصوتٍ جمیلٍ و تلفـُّظٍ جیِّدٍ كما وصف ذلك الرسول الأكرم المصطفی الأمجد أبوا القاسم محمّد (ص) بقوله « إنَّ حسن الصوت زینة القرآن.» و بما أنَّ القرآن الكریم لهنثرٌ و نغمٌ جمیل في الأسلوب و في مغزاه ، فإنَّ له تأثیر جاذبٌ علی الجمیع. و لذلك فإنَّ الذین یستطیعون أن یتلونه بصوتٍ جمیلٍ ، أو الذین لهم صوتٌ جمیل و یسعون لتلاوته بوقارٍ و إحترام ، سوف یلفتون الأسماع و الأنظار إلی ما فیه من حِكمٍ و مواعظ جمیلة و یضعون تأثیرًا عمیقـًا في القلوب و یتمتَّع المستمعون بالبركة و یحسّون بالرحمة.
و من الخطوات المهمّة للأنس بالقرآن الكریم هو فهم معانیه و معنویّاته و العمل بها في الحیاة ، لأنـَّه یهب للإنسان الذي یتلوه الإحساس بأنـَّه خیر ملجأٍ و ضمانٍ لإرائة المقصد و لا یحسّ الإنسان بأيِّ شك و تردید ما زال هذا الكتاب المبین بیده و دلیله. و حین نری أنَّ هذا الكتاب الكریم كتابٌ عمیقٌ و فیه مراتب كثیرة ، فكلـَّما أدرك الإنسانٌ من معانیه یری أنـَّها لا تنتهي و لن یصل أيّ إنسان إلی حدٍّ لیری النهایة.
و لذلك فإنَّ ما یلفت الأنظار هو أنَّ الإنسان الذي یسعی لیستأنس بالقرآن الكریم ، یجب علیه أن یزید من أبعاد فهمه و إدراكه لنیال حقائق جدیدة و هذا الأمر هو الذي یُحفِّز الإنسان أن یجعل تلاوة القرآن الكریم من أركان برنامج حیاته الیومیّة و یستمرُّ بذلك من دون إنقطاع ،بل و یسعی للإستفادة من كلِّ فرصة للمزید من التعمـُّق فیه ، ثمَّ ینظر في كتب التفسیر للحصول علی المزید من العلم و الهدی.     و إنَّ تلاوة القرآن الكریم كان من سیرة أهل البیت (ع) و من أركان برامجهم الیوميّة و كانوا كثیرًا ما یتلون القرآن الكریم حتـّی یصلون إلی ختمه.
كما و كان بین العلماء من حفظ القرآن الكریم في سنِّ شبابه أو قبل ذلك مثل إبن سینا الذي كان قد حفظ القرآن الكریم و هو في سنِّ العاشرة من عمره(5). والسیِّد بن طاووس الذي كان قد حفظ كلّ القرآن الكریم حین بلغ الخامسة عشر من عمره. (6)و الشاعر الإیرانيّ المعروف الذي كان محرومًا من نعمة البصر، كان قد حفظ القرآن الكریم و هو في العام الثامن من عمره. كما و نری الكثیرمن القرّاء المعروفین مثل الأستاذ عبد الباسط و محمّد صدِّیق المنشاوي و الأستاذ الإیراني پرهیزكار كانوا كلـُّهم قد إستأنسوا بالقرآن الكریم منذ بدایة شبابهم.
نسأل الله تبارك و تعالی أن یعیننا في السعی لفهم القرآن الكریم و یوفـِّـقـنا للأنس به و تعلـُّمه و تعلیمه وأن نسعی لصحبته في الحیاة الدنیا و النجاة في ظلـّه یوم لا ینفعُ مالٌ و لا بنون آمین یا ربِّ العالمین.
و السلام علیكم و رحمة الله و بركاته.
 
 
 
 
1)       نهج البلاغة
2)       نهج البلاغة، الخطبة 184
3)       میزان الحكمة ج 8 ص 85 و 86
4)       تآريخ القرأن ص 231
5)       ريحانة الأدب ج 7
6)       ستارة الفضیلة ج 3 ص 117

pdf iconسلسلة بحوث معرفة القرآن الكریم (7)