Mittwoch 08. 2012 (Hamburg)
الفجـر 05:56
طلـوع الشمس 07:53
الظهـر 12:34
العصـر 14:46
المغـرب 17:43
العشـاء 18:46
منتصف اللیل 23:34
الصفحة الأصلیّة :: صلاة الجمعة :: المخزن :: 20.02.2009 - الآفات المانعة للتقوی
التعلیق: 0
الخطیب: حجة الإسلام و المسلمین الأستاذ السید محمد ناصرالتقوي

الآفات المانعة للتقوی

«الحمد لله رب العالمین، و الحمد لله الذي لم یتخذ صاحبة و لا ولدًا و لم یكن له شریك في الملك و لم یكن له وليٌّ من الذلّ وكبِّره تكبیرا. وصلّی الله علی سیّدنا و نبیِّنا محمد و آله الطاهرین و علی أصحابه المكرّمین.  
عباد الله أوصیكم و نفسي بتقوی الله و إتباع أمره و نهیه.
الآفات و الموانع التي في طریق الوصول إلی التقوی:
لو أن إنسان عاقل قد إكتشف هدفـًا معنویّـًا ثمینـًا، ألا یسعی بكلِّ ما لدیه للتغلـُّب علی ما في طریقه للوصول إلیه؟ فلو كان الهدف هو التقوی، تلك الجوهرة الثمینة ــ و ذلك ما لا شك فیه ــ فإنَّ شرط التدبیر بالعقل هو معرفة الموانع التي في طریق الوصول إلیها و التغلـُّب علیها.
ومن جهة أخری یجب معرفة الآفات و الموانع  التي تسبب الفساد في الأخلاق و تفني القوّة و المرتبة التي توصَّل إلیها الإنسان في التقوی. وبناءًا علی ذلك فعلی الإنسان المتقي أن یسعی للمزید من التقوی و أن یكون علی وعي ٍ و حذرٍ لیتجنـّب المـُضِلات التي تخدعه و تؤدّي به إلی فقدان ما عنده من تقوی و صفات و ینحدر في النهایة إلی وادي الضیاع و الهلاك.
فما هي إذن الموانع و المشاكل التي تمنع الإنسان من نیال التقوی؟
و من وجهة نظر أخری یجب أن نری ما هي العوامل التي تؤدّي بالإنسان إلی الفساد و إتلاف هذه القوّة التي إكتسبها و الرتبة التي توصَّل إلیها؟
إنـَّنا نری في الروایات الإسلامیّة التحذیر من الموانع و الآفات الخطیرة و أخطرها هو الإسراف في حبّ الدنیا و ملاهیها و مُغریاتها. و في كلام من مولی المتقین و أمیر المؤمنین عليّ بن أبیطالب (ع) قال فیه « حرامٌ علی قلبٍ مُتوَلـِّهٍ بالدنیا أن یسكنه التقوی» (غرر الحِكـَم) و معنی ذلك هو أنَّ الإنسان الذي یجعل الدنیا قبلةً له و ینشغف بها لدرجة بحیث یجعلها في مقدّمة كلِّ أعماله و یتكوَّن عنده بمرور الزمان تمسُّك قويٌّ بالدنیا لا إنفصام له، فلا یكون عندئذٍ في قلبه أيُّ مكانٍ للتقوی.
و لیس معنی ترك الدنیا هو الإنزواء عن الحیاة الیومیّة و ما فیها ، بل إنَّ معنی ذلك هو عدم جعلها الأوّل و الآخر و قبل كلّ شئ وبعد کلّ شئ والعمل بها و فیها بما علینا عمله فإنـَّها دار ممرٍّ و لیست درا مقرّ و علینا أن لا نعتبرها محور الفكر و العمل، فإنـَّها الوسیلة و الحقل الذي نستطیع أن نكسب فیه المعنویّات والمؤونة للآخرة. و یجب علینا أن نری الدنیا كـَسُلـَّم نرتقي علیه إلی الدرجات العلي من الكمال الملكوتي والمعنویّات الروحیّة الإنسانیّة.
إنَّ الذي یبالغ في التعلـُّق بالدنیا ، فهو كمن یرتقي السلـَّم درجة بعد أخری و یتوطـّی و یتعطـَّل علیها إلی أن ینسی الهدف و ینشغل بشغفاتها و مغریاتها و یبقی محبَّـًا لها و یتیه فیها. فعلی الإنسان أن لا ینسی أنَّ السلـَّم هو الوسیلة للصعود إلی الطبقات العلیا و لیس التسلـُّق علی السُلـَّم هو من أجل التسلـَّق علیه بحد ذاته، كما قال أمیر المؤمنین(ع) عنها: «الدنیا خُلقت لغیرها و لم تُخلق لنفسها» (الحِكمة 463 نهج البلاغة) و في بیان ٍ آخر قال فیه: «أیُّها الناس ، إنـَّما الدنیا دار مُجازٍ و الآخرة دارُ قرار، فخذوا من ممركم لمقرِّكم. »
و من الطبیعيّ أنَّ الدنیا یمكن أن تكون جیِّدة و مفیدة و لكن علی الإنسان أن لا ینسی جمع الذخائر للآخرة. فإنَّ السُلـَّم وسیلة جیِّدة للإستفادة منه حین یرید الإنسان الصعود إلی الطابق الأعلی و لیس الهدف هو السلـَّم بحد ذاته فقط. و هذه هي من الحِكـَم و التعالیم الإسلامیّة في الإعتدال و حسن السلوك و لذلك نری الوصیّة بترك المُبالغة في حبّ الدنیا و لكن لا نجد التوصیة بالإنزواء عنها و اللجوء إلی الرهبانیّة و التجنُّب عن النعم و الخیرات الدنیویّة.
و نری ذلك بوضوح حین نقرأ الخطبة المدرجة تحت تسلسل 209 في كتاب نهج البلاغة ، و التي خاطب فیها عليّ بن أبیطالب (ع) علاء بن زیاد الحارثيّ حین دخل داره الوسیعة المؤثثة بجلالٍ و جمالٍ قائلا ً له : « ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنیا. أما أنت إلیها في الآخرة كنت أحوج ، و بلی إن شئت بلغت بها الآخرة ، تقري فیها الضیف و تصل فیها الرحم، و تُطلع منها الحقوق مطالعها ، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة. فقال له العلاء یِا أمیر المؤمنین أشكو إلیك أخي عاصم بن زیاد. قال و ما له؟ قال لبس العباءة و تخلـّی عن الدنیا. قال: عـَلـَيَّ به. فلمـّا جاء قال: یا عُدَيّ نفسه! لقد إستهام بك الخبیث، أما رحمت أهلك و ولدك؟ أتری الله أحلَّ لك الطیِّبات و هو یكره أن تأخذها؟ أنت أهون علی الله من ذلك. . . »
یتبیَّن لنا من هذا الحوار أنَّ أمیر المؤمنین یُبیِّن أنَّ الذي یعبد الدنیا ، أي ذلك الإنسان الذي یری أنَّ السُلـَّم هو المقصد و لیس الوسیلة للوصول إلی المقصد ، فلیس في قلبه   مكانٌ للتقوی.إنَّ الإنسان الذي لا یری في الدنیا كلّ الوجود و یستطیع أن یقطع علاقته معها بالرغم من أنـَّه یتمتـَّع بالكثیرمن النِّعَم فیها، لا یهتمّ و لا یأخذه الغمّ إذا قیل له إنـَّك سوف تفارق الحیاة غدًا! و هو كالإنسان الذي یتواجد علی السُلـَّم و یقال له إنزل عنه من بعد وصولك علی الدرجة العاشرة، فإنـَّه ینزل و لا یأخذه همٌّ و لاغمٌّ لأنَّ السلـَّم لم یكن له إلا وسیلة للوصول إلی الطابق الأعلی.
و إستنادًا علی ما نراه في الروایات ، فإنَّ حبّ الدنیا مانعٌ له تأثیر قويٌّ في عدم الوصول إلی التقوی. و كلـَّما قلَّ حبّ الدنیا، كلـَّما إزداد الیُسرُ في طریق الوصول إلی التقوی. أي أنَّ هنالك تناسُب عكسي بین العاملین: فكلـَّما إزداد حبّ الدنیا، قلَّ نیال التقوی في وجود الإنسان و شخصیّته ، و القلـّة في حبّ الدنیا تعني المزید من التقوی.
قال أمیر المؤمنین عليّ بن أبیطالب (ع) في بیانٌ آخر: « فقطـِّعوا علائق الدنیا و إستظهروا بزاد التقوی. » (الخطبة 204 في نهج البلاغة) كما و أنَّ من العوامل التي تُضعف التقوی و تدخل الفساد في النفس هي خضوع الإنسان للشهوة و تسلیم نفسه لها لكي تتغلـَّب علیه كما قاله عليُّ بن أبیطالب (ع) « لا یفسد التقوی إلا غلبة الشهوة.» و الشهوة تتغلـَّب علی الإنسان في الكثیر من المجالات و منها الشهوة في حب المال أو الثروة أو السلطة أو القدرة و هكذا.
من المجالات الأخری التي فیها الموانع للتقوی هي المخاصمة و التخاصم و النزاع مع الآخرین. إنَّ التخاصم یعني العداوة المصحوبة بالتنفـُّر و تمنّي السوء للآخرین و یتـَّصف بهذه الخصائل الإنسان الذي یرید النزاع و تسبیب المشاكل للآخرین. و نری في الروایات الإسلامیّة بیانات أنَّ من یرید الوصول إلی التقوی فعلیه أن یتجنـَّب العداوة و البغضاء و تمنـّي السوء للآخرین و أن یَنقي التنفـُّر و الخشونة عن أخلاقه.
إنَّ من أكبر موانع التقوی هي روحیّة التخاصم ، فحین یُخبِتِ الإنسان تمنـّي السوء للآخرین في نفسه و یتخاصم معهم و یبغي العداوة و البغضاء لهم، فلیس من الممكن أن ینال هذا القلب المملوء بالنفرة ضد الآخرین هدیّة التقوی للتوغـُّل إلی داخله، لأنَّ وردة التقوی لا تنمو علی أرض النفرة و العداوة، فالإنسان الذي فیه هذه الخصائل الردیئة لا یمكن أن یصل إلی درجة المُتقین. و ذلك لأنَّ أرجل أفكاره غریقة في أهوار المیاه القذرة و لا یمكنه التحرُّك نحو جنّة التقوی الإلهیّة و لهذا قال أمیر المؤمنین (ع) « لا یستطیع أن یتـَّقي الله من خاصم » (حكمة 298 نهج البلاغة)
و من جهة أخری نری أنَّ الإنسان المؤمن المتـَّـقي ذو عطفٍ و لـُطفٍ و یتوسَّمُ بحسن الظنّ تجاه الجمیع و لیس في قلب المُتـَّـقي أیّة عداوة تجاه الآخرین فهو یُحبّ كلّ الموجودات من إنسان و جمادٍ و نبات لأنـَّه یعلم أنَّ الله تبارك و تعالی هو الذي أعطی كلّ شئ خَلقـَه و هذه المحبّة منشأُها الإحساس بعظمة بارئ الخلائق أجمعین.
و لا یستطیع من تـَكمُنُ في قلبه العداوة ضد الآخرین ، أن یقول أنَّ في قلبه الإحساس بالأدب أمام الله جلَّ و علا. و بعبارة أخری فإنَّ من یكون في قلبه أدب الباري عزَّ و جلّ، یكون في قلبه أیضًا الأدب أمام عباده كما بیـَّن ذلك الإمام الحسن (ع) في قوله : « من لم یتـَّق وجوه الناس، لم یتـَّق الله.» (بحار الأنوار ج 78، ص 477)
إنَّ التقوی و الأدب تجاه الآخرین الذي هو جزء من الأدب أمام الله تبارك و تعالی، لیس فقط ما هو في التصرُّف بالعمل فقط ، بل إنـَّه یتواجد في اللسان و الأقوال، فإنَّ من لا یراعي الآداب في الكلام مع الآخرین بالسیطرة علی لسانه ، فإنـَّه لیس من المُتـَّـقین حقـًّا، أو كما قال أمیر المؤمنین (ع) في هذا الخصوص : « و الله ما أری عبدًا یتـَّقي تقوی تنفعه حتـّی یخزن لسانه. » (الخطبة 176، نهج البلاغة)
و بناءًا علی ذلك فإنَّ الفرد الذي لا یمسك عنان لسانه و یتكلـَّم من دون تأنـّيٍ و تفكـُّرٍ في كلامه لیری هل إنـَّه یُشعل نار الفتنة أو یهتك حرمة الآخرین فإنـَّه لا ینال التقوی الحقیقیة أبدًا. إنَّ اللسان یكون قاعدةً خلف القلب ، أي أنَّ الإنسان یجب علیه أن یُفـَكـِّر في الكلام من قبل أن یقوله كما قال ذلك أمیر المؤمنین في الخطبة المذكورة 176 « إنَّ لسان المؤمن من وراء قلبه. »
فخلاصة الكلام إذن هو أنَّ أشدّ الموانع و الآفات التي تصیب التقوی و التي یجب أن نكون علی حذر شدیدٍ منها هي أربعة موارد:
1.                                          حب الدنیا و العلاقة الشدیدة بها.
2.                                          غلبة الشهوات علی الإنسان.
3.                                          النزاع و الشجار مع الآخرین.
4.                                          و إطلاق اللسان بدون عنان
و نسأله جلَّ و علا أن یمنَّ علینا بالتوفیق للإبتعاد عن هذه الموانع و الآفات التي تسد طریق التقوی علی الإنسان و أن یمنَّ علینا بالتقوی عطاءًا منه و هو أكرم معطٍ و أجود من سُئِل.
لقد طال الكلام الیوم و لهذا سوف أستمرٌّ في موضوع المداراة في الجمعة القادمة إن شاء الله تبارك و تعالی و نشكره و هو وليُّ التوفیق.
أللمَّ إجعلنا جمیعًا من المتـَّـقین الصادقین.
و السلام علیكم و رحمة الله و بركاته

pdf iconالآفات المانعة للتقوی