نماز جمعه

 بسمه تعالی

الحمد لله
ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره
، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه جزء
من دعاء الإفتتاح وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی
آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.

عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و
اتّباع امره و نهیه.

یجب أن نشیر إلی أمرٍ مهمٍّ جدًّا فیما یخصُّ الأحكام الإلهیّة مثل الصلاة ،
الحج، الأمر بالمعروف و النّهي عن
المنكر، الخُمس، الزكاة و أمثالها ، ألا و هي أنّ الإنسان الذي یختار دینًا لنفسه
، فیجب علیه أن یلتزم بالضوابط و القوانین التي فیه ، إذ أنَّ تعریف الضوابط و
القوانین هي من المكوِّنات التي في كلّ دین. إلّا إذا أراد أحدٌ أن یحسب نفسه من
المنتمین إلی ذلك الدین فقط لیتباهر ویتظاهر به.

و لكن لا یمكن
أن نقول أنَّ هذا الإنسان هو مُتدیِّن ،
إذ أنَّ الإنسان المُتدیِّن هو الإنسان الذي یكون قد قبل الإسلام دینًا ، فعلیه أن
یعمل بكلّ التعالیم و الأحكام التي هي في الأصول الدینیّة. و مثله کمثل الإنسان
الذي ینتمي إلی مجموعة من دون أن یُراعیهم. فلا یصحُّ للمنتمي الجدید أن یعمل كما
یحبّ و یشاء. فلو كان الإنسان الذي قد إنتما إلی تلك المجموعة یعمل ما یشاء کما
کان یعمله من قبل أن ینتمي إلیهم ، فأنَّه لم یكن من زُمرتهم لیعرف واجباتهم و
أصولهم. فمثل
هذا الإنسان كمثل الذي یكون قد
إنتمی إلیهم و یرغب في التمتُّع بالحقوق و المزایا التي تكون له في تلك المجموعة ،
فإن أراد ذلک فعلیه أن یحترم أصولهم و قوانینهم و یقف معهم بعزمٍ و ثبات.

فلو إن كان
یلتزم بأصولهم بكلّ جدٍّ و جُهد و یعمل في المزید من ساعات العمل المُحَدَّدَة لَأَعطَوهُ
المزید من الأجور. و لكن لو لم یلتزم بأيٍّ من الإصول السائدة هنالك و لم یقم
بواجباته ، فسوف یُحذِّرونه و من بعد تكرار تصرُّفاته من دون أیّة نتیجة سوف
یُخرجونه من جمعهم و لم یعد یتمتّع بأيِّ من المزایا التي تكون له فیها ، و كذلك
الأمر فیما یخصّ الدین.

فلو عمل بالأقلّ ممّا
هو ضروريٌّ و واجبٌ من الأعمال، فسوف ینال أجره الذي وُعِدَ في الدنیا و الآخرة و
سوف یعیش في هذه الدنیا في رغدٍ و ینال التجلیل والتكریم و المدح لحسن قیامه
بالأعمال الواجبة و یفوز بالجنّة في الآخرة. و هذه هي الحقائق التي جاء الأنبیاء و
المرسلین لإبلاغها إلی الناس. و في سبیل المثال لو إن قام الإنسان بأداء الواجبات
و ترك المحرّمات التي فرضها الله تبارك و تعالی وعلاوة علی ذلك عمل بالمستحبّات و
ترك ما هو مكروهٌ ، فسوف یكون الأجر و الجزاء الذي یناله أكثر فأكثر و یكون له
التقدیر و الإحترام الأكثر عند أهل الجنّة.

و لكن حین لم
یهتمّ بأيٍّ من الأمور الدینیّة ، فلا مجال للأمل في نیاله للأجر و الجزاء. إذ
أنّه لا یستحقّ أيِّ أجرٍ و جزاء و ما یجب أن لا ننساه ،هو أنَّ الإنسان لا ینال
في الآخرة إلّا ما قدّمت یداه و یقول الكافر یالیتني كنت ترابًا ، إذ أنَّ الناس
لا ینالون إلّا ما یستحقّونه من أجرٍ و ثواب.

و إن كان الإنسان من
الذین هم أهلاً لیکون من المهتدین حقًّا و قد عاش و عمل كالأزكیاء و المتّقین في
الدنیا، فسوف یفوز بالجنّة و الحشر مع الإنبیاء و الأولیاء. و لكن لوإن كان قد
أتلف حیاته في الدنیا بالفساد و الشرك و النفاق فلا یكون أهلاً للحشر مع المُتّقین
و التمتُّع بالمحافل المنوّرة ، إذ أنَّه قام بما یجلب الظلمات في قلبه و ذهنه و
لم یستفد من العقل و لم یكن من العُقَلاء المتفكرین و سوف یُحرِم نفسه من نیال
السلامة الروحیّة و النفسیّة و الفكریّة و العقائدیّة و الأخلاقیّة و العملیّة. و
سوف یكون التعامُل معه مبنیًّا علی هذه الأُسُس.

فإنَّ الذین یعملون
الصالحات وفقًا للعقائد و الأخلاق الحسنة فسوف یصحبهم الإقتناع النفسيّ بوجود
الجنّة و الجحیم ، بناءًا علی الأسس الأخلاقیّة و العقائدئیّة و الأعمال و یسعون
عندئذٍ لنظم أمرهم ، فلا شك في أنفسهم بأنَّ یوم القیامة في الآخرة ، هو یومٌ لا
مفرّ منه و لا مفرَّّ فیه من الحقائق التي سوف تظهر للعیان و لا مجال لأيٍّ من
المخادع و الحِیَل و الكذب و غیرها. 

 إنَّ یوم القیامة هو الیوم الذي یری الإنسان
أعماله و تشهد علیه السماوات و الأرضین و الملائكة و الأنبیاء و المرسلین و تنطق
الأعضاء و الجوارح و تشهد علیه أیدیه و أرجله بالحقّ كما نری بیان ذلك في قوله
تبارك و تعالی « وَ قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ
شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ وَ
هُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » فعلی الإنسان
إذَن أن یعمل ما فیه الفوز بما وعده الله تبارك و تعالی من أجرٍ و ثواب للنجاة من
اللوم و العِقاب.

و الكلام عن
هذه الأمور واسعٌ كثیر و یجب أن نتطرّق إلیه في الفرص المناسبة و في محلّها.
فالجدیر بالمرور علی الآیات التي نراها في سورة الزلزال المباركة لنأخذ ما فیها من
تحذیر و وعید كما نری بیان ذلك في سبیل المثال ما جاء في قوله تعالی عن وصف یوم
القیامة : « يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها
» و ما جاء في نهایة السورة المباركة في قوله تعالی : « فَمَنْ
يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
شَرًّا يَرَهُ ».

فما یجب أن
نعلمه، هو أن لو عمل الإنسان وفقًا للشریعة الإلهیّة بصورة صحیحة ، فسوف ینتفع
بالأعمال الصالحة و ینتشر الرغد و الأمان في المجتمعات التي یعیش فیها الإنسان
علاوة علی نیاله للسعادة في الدنیا و النجاة و الفوز بالجنّة في الآخرة.

 ولكن و مع الأسف الشدید ، نری الكثیر من التُهَم
الموجّهة إلی الإسلام ، ما لا حقیقة لها أبدًا و ذلك من المغرضین الذین لا یعلمون
عن الإسالم شیئًا أو أنَّهُم لا یعلمون إلاّ الأمور السطحیّة التي لا تتوافق مع
الروحیّة و العبودیّة الإسلامیّة تُجاه المولی العزیز الرؤف الرحیم تبارك و تعالی.

 كما و أنّنا نری أنَّ هنالك من الناس من لا
یعلمون الحقّ و یظنّون أنَّ هنالك إلهٌ لكلٍّ من الأدیان الإبراهیمیّة ، إذ أنَّ
من الناس من یرون ـ و العیاذ بالله ـ أنَّ هنالك فرقٌ بین إله موسی و إله عیسی و إله
محمّد صلّی الله علیهم أجمعین في حین أنَّ 
هؤلاء الإنبیاء الثلاثة العظام الذین هم من أولوا العزم و من جاء من قبلهم
ما دعوا الناس إلّا للتوحید للحيّ الذي لا یموت و أنّه هو القادر و العالم و الحكیم
الغفور الرحیم.

إنَّ كلّ
الموجودات تتمتّع برحمته التي لا حدّ لها و أنَّ المؤمنین الصالحین الذین هم
یتمتّعون في مسیرهم نحو الهدایة الإلهیّة و تتفتّح ما في أنفسهم من قابلیّات و
إستعدادات ، هم الذین یكونون من الصالحین الفائزین برحمته جلّ و علا بما لا
یُعَدُّ و لا یُحصی. فعلینا إذن أن نتمعّن في أنفسنا لكي نسعی للحصول علی المعرفة
الصحیحة و العمل بما هو علی عاتقنا من الصالحات بعزمٍ و ثبات و لكي نأمل أن نكون
من الصالیحن الفائزین السعداء في الدنیا و الآخرة و هو وليُّ التوفیق و هو أرحم
الراحمین آمِّین با ربّ العالمین.   

 نرجو الله تبارك و تعالی أن یمنّ علینا جمیعًا
بالتوفیق لفهم المعارف الدینیّة الإسلامیّة ونسأله جلَّ وعلا أن یُوَفِّقنا  للتعمُّق في خشیته و طاعته  بالرغبة و المحبّة له و لأولیائه علی عتبة
رحمته و أن نكون خلوقین محسنین تجاه الآخرین من عباده و أن نحمده و نشكره علی كلِّ
ما وهبنا من الهُدی وأن نهتمّ بكلِّ ما في وسعنا لمعرفة سبیل الرشاد والعمل الصالح
و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.       

 والسلام علیكم و رحمة الله و بركاته

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment