نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

 عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

الموضوع:  أوصاف المتّقین (36)

العلامة الثامنة للمتقین:

– “وَتَجَمُّلًا فِي فَاقَةٍ“.

   يأتي كلام أمير المؤمنين (ع) هنا مقابل قوله «قَصْداً في غِنىً», وهو مكمّل له. ويتبيّن من هذين القولين لأمير المؤمنين (ع) أنّ المتّقين لا يذهب بهم الحال للتبذير والإسراف عند الغنى والثروة, كما أنّهم لا يعترضون ويتذمّرون عند الفقر. فالتعبير ب “تجمّل” يحمل هذا المعنى أنّهم ومع فقرههم وعوزهم يحافظون على مظهرهم, ولا يُبدون احتياجهم. هذه هي حالة المتّقين التي يتحدّث عنها القرآن الكريم:

– {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}[1].

التجمّل في القرآن والحدیث

   التجمّل يعني التزيّن, والاستفادة من أدواتها بالإضافة لترتيب المظهر الخارجي. كما يُطلق التجمّل على كل ما من شأنه أن يبعث على الزينة والجمال. والله سبحانه وتعالى قد شرّع قانوناً يسري في جميع الأعصار والقرون عندما قال: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}[2].

   وبالرجوع إلى هذه الآية من كلام الله نرى أنّها يُمكن أن تُشير إلى “زينة البدن” التي تشمل ارتداء الثياب الأنيقة المرتّبة النظيفة, بالإضافة إلى تسريح الشعر والتعطّر وما سوى ذلك من أمور, كما أنّها يُمكن أن تُشير إلى ” الزينة المعنوية” أي الصفات الإنسانية والملكات الأخلاقية وصفاء النية والإخلاص.

   هذا ونرى في الآية اللاحقة أنّ الله قد أجاب بلحن أشدّ على الذين يرون حرمة التزّين والاحتراز عن الطعام والرزق الطاهر الحلال من باب أنّها تُدلل على الزهد وتبعث على القرب منه تعالى, فيجيبهم ويقول: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}[3].

   وبالرجوع إلى الاستفادة من أنواع الزينة نرى أنّ الإسلام قد التزم حدّ الاعتدال والوسطية كما في سائر الموارد, ولم يسمح بالاستفادة من الأمور الطبيعية الجميلة وارتداء الثياب الجميلة الأنيقة والتعطّر بمختلف أنواع العطور والروائح الجميلة وحسب…. بل أوصى بذلك وأكدّ عليه.  

   يقول النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم:

– “إنَّ اللّهَ تَعَالی جَمِیلٌ یُحِبُّ الْجَمَالَ وَ یُحِبُّ أنْ یَرَی أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَی عَبْدِهِ[4].

   وقد قال الإمام جعفر الصادق (ع) في هذا الموضوع:

– “إنَّ اللّهَ یُحِبُّ الْجَمَالَ وَ التَّجْمِیلَ، وَ یَکْرَهُ الْبُؤسَ وَ التَّباؤسَ؛ فَإنَّ اللّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إذا أنْعَمَ عَلَی عَبْدٍ نِعْمَةً أحَبَّ أنْ یَرَی عَلَیهِ أثَرَها”. قيل: وكيف ذلك؟ قال عليه السلام:یُنَظِّفُ ثَوْبَهُ، وَ یُطَیِّبُ ریحَهُ، وَ یُحَصِّصُ دَارَهُ، وَ یَکنِسُ أفْنیَتَهُ[5].

   وفي حديث آخر يقول الإمام الصادق (ع) أيضاً:

– “ألْبِسْ وَ تَجَمَّلْ، فَإنّ اللّهَ جَمیلٌ وَ یُحِبُّ الْجَمَالَ، ولْیَکُنْ مِنَ الْحَلالِ[6].

   ينطوي هذا الحديث على نكنة لطيفة ألا وهي أنّ الإمام يُؤكّد على لزوم كون ظاهر الشخص مرتّباً ولباسه جميلا وأنيقا, ولكن هذا التجمّل اللازم يجب أن يكون من طريق الحلال, لا أن يعمل الإنسان على تجميل وتزيين ظاهره بأيّ قيمة وطريقة كانت بما في ذلك الطريق المحرمة غير المشروعة.  

   وفي رواية أخرى عنه عليه السلام قال: “أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله رجلا شعثا شعر رأسه, وسخة ثيابه ، سيئة حاله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من الدين المتعة وإظهار النعمة[7].

      يوُكدّ النبي الأكرم (ص):

– “إنَّ اللّه تَعالی یحِبُّ مِنْ عَبْدِهِ إِذا خَرَجَ إِلی إخْوانِهِ أَنْ یتَهَیا لَهُمْ وَ یتَجَمَّلَ[8].

التجمّل المعنوي والأخلاقي

   بالعودة إلى الأحاديث وآثار علماء الدين, نرى أنّ جمال الظاهر والباطن وأناقة الجسد وطهارة الروح قد اقترنت ببعضها وأشير إليها سويّاً.

   وبعبارة أخرى يُطلق الجمال والتجمّل على الظاهر والباطن والصورة والمعنى سويّاً. فالثوب الجميل الذي يُغطّي الجسد المتّصف بمختلف أنواع الرذائل الأخلاقية لن يكون جميلاً أبداً. وعليه الجمال المعنوي والأخلاقي هو من أهم عناصر جمال البشر.

   وبالتالي نصل إلى أنّ الجمال الكامل والشامل هو الذي يشتمل على سيماء الجسد والروح الجميل والحسن. يقول أمير المؤمنين (ع) في هذا الصدد: “ميزة الرجل عقله، وجماله ومروءته[9].

الاعتدال والاتّزان في التجمّل

   لقد سلك الإسلام وكما في جميع الموارد طريق الاعتدال والوسطيّة في الاستفادة من أنواع الزينة, ورفض أيّ شكلٍ من أشكال الإفراط والتفريط. وهذا على غرار البعض الذين يرون أنّ الاستفادة من الزينة حتّى لو كانت بالحدّ المعتدل تتنافى مع الزهد والورع, أو الذين يُفرطون في التجمّل ويكونون على استعداٍ للقيام بأي عمل غير سليم من أجل الوصول إلى هذا الهدف.

   وعليه نصل إلى أنّ الإنسان المؤمن في ظل أيّ ظروف مادية يكون عليه وبالحفاظ على البساطة أن يعتني بظاهره وحاله, وأن يسعى للجمع بين جمال ظاهره وباطنه وطهارة سريرته وأن لا يفصل طهارة باطنه عن أناقة ظاهره وتجميله, وعلى الخصوص أثناء العبادة والمثول في محضر الباري تعالى, وبالأخص في المسجد الذي هو بيت الله. كذلك عند الحضور في المجتمع عليه أن يتواجد بظاهره الأنيق, متعطراً, مسرّحاً شعره, قد ساك أسنانه, مرتدياً للثياب النظيفة, وما هذا إلاّ من أجل أن يرسم صورة إيجابية وحسنة في أذهان الناس في المجتمع تجاه المؤمنين والحاضرين في المساجد, وبالتالي يُصبح بنفسه قدوة للأشخاص الآخرين.

   وفي الأخير, إنّ ما قد نُهي عنه في الإسلام هو الإفراط والترف والمبالغة في التجمّل والتعلّق الزائد بالظواهر الدنيوية والغفلة عن الاستقامة الباطنية والمعنوية.

والحمد لله ربّ العالمين


[1]  سورة البقرة:الآية ۲۷۳.

[2]  سورة الأعراف:الآية 31.

[3]  سورة الأعراف:الآية ۳۲.

[4]  میزان الحکمة،ج 2، ص 2463.

[5]  بحار الأنوار، ج 76، ص 141.

[6]  وسائل الشیعه، ج 3، ص 340.

[7]   الکافي، ج6، ص439.

[8]  مكارم الأخلاق، ص 34.

[9]  غرر الحکم، ص759.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment