نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

 عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

الموضوع:  أوصاف المتّقین (43)

تتمة العلامة الرابعة عشر للمتقين:

– “يُمْسِي وَهَمُّهُ الشُّكْرُ“.

   لقد أسلفنا سابقاً أنّ إحدى علامات المتّقين هو شكرهم للنعم الإلهية, كما أنّ انشغالهم بالأعمال اليومية وما يستتبع ذلك من تعب لا يُسدل حجاب الغفلة أمامهم ويصل بهم الحال للانقطاع عن الله سبحانه والنأي عن نعمه.

ولكن يبقى سؤال أساسي هنا هل من الممكن شكر النعمة؟

يُخاطب الإمام السجاد عليه السلام الله سبحانه وتعالى في إحدى مناجاته عندما يقول:

فَكَيْفَ لِي بِتَحْصِيلِ الشُّكْرِ وَ شُكْرِي إِيَّاكَ‏ يَفْتَقِرُ إِلَى‏ شُكْرٍ فَكُلَّمَا قُلْتُ لَكَ الْحَمْدُ وَجَبَ عَلَيَّ لِذَلِكَ أَنْ أَقُولَ لَكَ الْحَمْدُ[1].

   إنّ كلّ من يأتي بعمل الخير يُوفقه الله للقيام بهذا العمل. وعليه فإنّ الله يوفق الإنسان أيضاً للشكر, ولذلك يتوجّب على الإنسان الشكر على كلّ شكر. وبالتالي طبقاً لهذا الحساب فإنّ سلسلة الشكر لن تنتهي, ولن يكون بمقدور الإنسان أن يوفي نعم الله التي لا تُحصى شكرها كما ينبغي. بناء على ما تقدّم كيف يمكن للشاكر الدخول إلى ساحة الله عزّ وجل, ولماذا أكدّ الله على موضوع الشكر ووعد الشاكرين بالثواب ومضاعفة النعم عليهم؟

   لقد سأل النبي موسى (ع) ربه نفس هذا السؤال وأجابه الله عليه. ينقل الإمام الصادق عليه السلام مجريات هذا الكلام بهذا الشكل: “فِيمَا أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى مُوسَى ع يَا مُوسَى اشْكُرْنِي حَقَّ شُكْرِي فَقَالَ يَا رَبِّ وَ كَيْفَ أَشْكُرُكَ حَقَّ شُكْرِكَ وَ لَيْسَ مِنْ شُكْرٍ أَشْكُرُكَ بِهِ إِلَّا وَ أَنْتَ أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ قَالَ يَا مُوسَى الْآنَ‏ شَكَرْتَنِي‏ حِينَ عَلِمْتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنِّي[2].

   نرى أنّه في الواقع لا يمكن شكر نعمة إلهية, ولكن نفس أن يلتفت الإنسان إلى جميع النعم حتّى أن يلتفت إلى شكر نعم الله سبحانه وتعالى يُعدّ شكراً لها عند الله وسيأخذ الشاكر أجر وثواب الشاكرين على ذلك.

   وهنا نصل إلى أنّ الشكر له مراتب ودرجات, وأقل حدّ للشكر هو بيان النعمة والشكر باللسان, كما أنّ أعلى حدّ للشكر هو الاستفادة من النعم بما يريده الله سبحانه وتعالى, لا بالتفريط بها في المسار الخاطئ. فالشكر لنعمة الكتاب يكون بمطالعته لا بالاتكاء عليه للنوم والاستراحة!

عدّة نقاط حول الشكر

1- إحدى بركات الشكر أنّ الإنسان يُوفّق للوصول إلى مقام كان عليه أن يبذل الكثير ويشقى حتّى يناله. يقول الإمام الصادق (ع): “المُعَافَى الشَّاكِرُ، لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مَا لِلْمُبْتَلَى الصَّابِرِ، وَ الْمُعْطَى الشَّاكِرُ، لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَالْمَحْرُومِ الْقَانِعِ[3].

2- يمنّ الله سبحانه وتعالى أحياناً على عبده بنعمة حتّى يوفّقه لبلوغ مراتب أعلى من تلك النعمة بفضل شكره لها, فقد ورد عن الإمام الكاظم عليه السلام أنّه قال: “مَنْ حَمِدَ اللَّهَ عَلَى النِّعْمَةِ فَقَدْ شَكَرَهُ وَ كَانَ الْحَمْدُ أَفْضَلَ مِنْ تِلْكَ النِّعْمَةِ[4].

3- إنّ الشكر للنعم الإلهية حتّى لو كان في الأعمال الصغيرة بحسب الظاهر, إلاّ أنّ الشاكر لها سيحظى بمقام رفيع عند رب العالمين, يقول الإمام الصادق عليه السلام: “إِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ مِنَ الْمَاءِ فَيُوجِبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا الْجَنَّةَ … إِنَّهُ لَيَأْخُذُ الْإِنَاءَ فَيَضَعُهُ عَلَى فِيهِ فَيُسَمِّي،‏ ثُمَّ يَشْرَبُ فَيُنَحِّيهِ وَ هُوَ يَشْتَهِيهِ فَيَحْمَدُ اللَّهَ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَشْرَبُ ثُمَّ يُنَحِّيهِ فَيَحْمَدُ اللَّهَ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَشْرَبُ ثُمَّ يُنَحِّيهِ فَيَحْمَدُ اللَّهَ، فَيُوجِبُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهَا لَهُ الْجَنَّةَ[5].

4- أحد مصاديق كفران النعمة هو عدم الاستفادة من علوم العلماء. يقول أمير المؤمنين (ع) في وصفه لحقبة الجاهلية في شبه الجزيرة العربية قبل بعثة الرسول الأكرم (ص): “نَوْمُهُمْ سُهُودٌ وَ كُحْلُهُمْ دُمُوعٌ، بِأَرْضٍ عَالِمُهَا مُلْجَمٌ وَ جَاهِلُهَا مُكْرَمٌ[6].

5- إنّ من نتائج وعواقب الكفر بالنعم الإلهية عدم استتباب الأمن وحلول الفقر في المجتمع. يقول القرآن الكريم: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}[7].

والحمد الله ربّ العالمين


[1]  بحار الأنوار، ج ٩١، ص ١٤٦.

[2]  الكافي، ج ٢، ص ٩٨.

[3]  الكافي، ج ٢، ص 94.

[4]  الكافي، ج ٢، ص 96.

[5]  الكافي، ج٢، ص 96.

[6]  نهج البلاغة، الخطبة 2.

[7]  سورة النحل:الآية ۱۱۲.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment