نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

 عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

الموضوع:  أوصاف المتّقین (44)

العلامة الخامسة عشر للمتقين:

– “وَيُصْبِحُ وَ هَمُّهُ الذِّكْرُ“.

   من العلامات الأخرى للمتّقين أنهم ذاكرون. فتراهم يفتتحون نهارهم بالذكر. وكما هو معلوم فإنّ ذكر الله في ساعات الصباح الأولى له تأثيره الخاص في استحضار الرزق, والنوم مكروه في هذه الساعات من اليوم أساساً ويمنع عن البركة في الرزق. يقول الإمام الرضا عليه السلام حول آية {فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً}[1]: “الْمَلَائِكَةُ تُقَسِّمُ أَرْزَاقَ بَنِي آدَمَ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَمَنْ يَنَامُ فِيمَا بَيْنَهُمَا يَنَامُ عَنْ رِزْقِهِ[2].

   لقد تمّ التأكيد في الروايات كثيراً على الذكر والدعاء بين الطلوعين. ينقل الإمام المجتبى عليه السلام عن النبي الأكرم صلوات الله عليه أنّه قال: “مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَ‏ جَلَسَ‏ فِي مَجْلِسِهِ يَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ سَتَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنَ النَّارِ سَتَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنَ النَّارِ سَتَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنَ النَّارِ ثَلَاثاً[3].

الذکر في القرآن

   تحدّثت آيات عديدة في القرآن الكريم عن ذكر الله. ولقد تمّ التأكيد على الذكر في العديد من هذه الآيات:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً؛ وَ سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً}[4].

   هذا وقد جاء في آيات أخرى في وصف أولو الألباب: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ؛ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ}[5].  

   وقد عُدّ ذكر الله في مجموعة أخرى من آيات القرآن الكريم علامة لأهل التقوى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ}[6].

   وبالوقوف على هذه الآية نلاحظ نقطة دقيقة. فنرى أنّ نتيجة ذكر الله أثناء هجوم الشياطين عبارة عن بصيرة قد منّ الله بها على المتّقين. فالبصيرة لا تحتاج إلى ذكاء ونباهة زائدة, بل إنّ التقوى وذكر الله تجعل الإنسان صاحب بصيرة.

   بناءً على ما مر نجد أنّ طائفة أخرى من آيات القرآن الكريم تعدّ الخمول والذود عن ذكر الله من علامات المنافقين:{إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ وَ إِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى‏ يُراؤُنَ النَّاسَ وَ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً}[7].

   كذلك يوجد مجموعة من آيات القرآن تُبيّن آثار البعد عن ذكر الله:

– {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}[8].

– {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى}[9].  

   مضافاً إلى ما تقدّم هناك آيات قرآنية تتحدّث عن الفتن الشيطانية التي تمنع الإنسان من ذكر الله: {إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}[10].

الذکر في الروایات

   لقد أكدّ الأئمّة المعصومون عليهم السلام في روايات عديدة على ذكر الله. فبعض الروايات أشارت إلى فضيلة وأهمية الذكر, وبيّنت طائفة أخرى منها ثمراته ونتائجه. ينقل الفيض الكاشاني في المحجّة البيضاء عن رسول الله صلّى الله عليه وآله: “ما عَمِلَ ابنُ آدمَ مِن عَمَلٍ أنجی لَهُ مِن عَذابِ اللهِ مِن ذِکرِ اللهِ تعالی[11].

   ونختم أخيراّ بما ورد عن النبي الأكرم (ص): “مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ اللَّهِ أَحَبَّهُ‏ اللَّهُ[12].

والحمد الله ربّ العالمين


[1]  سورة الذاریات:الآية 4.

[2]  من ‏لا يحضره ‏الفقيه، ج‏١، ص٥٠٤.

[3]  الأمالي (للصدوق)، ص٥٧٦.

[4]  سورة الأحزاب:الآية ٤١-٤٢.

[5]  سورة آل عمران:الآية١٩٠-١٩١.

[6]  سورة الأعراف:الآية ٢٠١.

[7]  سورة النساء:الآية ١٤٢.

[8]  سورة الزخرف:الآية ٣٦.

[9]  سورة طه:الآية ١٢٤.

[10]  سورة المائدة:الآية 91.

[11]  المحجّة البیضاء: ج٢، ص٢٦٧.

[12]  الزهد، ص٥٥.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment