نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

الموضوع: أوصاف المتّقین (64)

العلامة السابعة عشر للمتقين:

يُصْبِحُ فَرِحاً … بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَ الرَّحْمَةِ“.

   الفرح عبارة عن حالة تغمر باطن وقلب الإنسان ونشعر بها في العديد من المواطن والظروف. تظهر هذه الحالة على وجه الإنسان وتعتري ظاهره بشكل واضح عندما يكون مسروراً ومبتهجا. هذا ويمكن للفرح أن يعكس على الإنسان حالة من النشاط والحيوية الإيجابية رغم كل الظروف التي قد تعرض عليه, بالإضافة إلى صقل روحه وإيصالها إلى الكمال والرفعة.

   إنّ الفرح والنشاط حاجة لازمة للإنسان. وبالتأمل في خلقة الكون ووجوده نرى أنّ هذا الكون قد وُجد بنحوٍ يبعث على الفرح والبهجة في قلب الإنسان. فنجد أنّ ظواهر طبيعية كلطافة الربيع, وسكون الصباح, وجمال الشلالات, وتنوع الورود في ألوانها كلها أمور تبعث على الابتعاد عن المعاصي والشعور بالقرب من الله بالإضافة إلى التغلّب على القلق, كما أنّ كثرة التبسّم والمزاح والمرح, مع المحافظة على التعطّر وارتداء الثياب الجميلة, والمشاركة في مجالس الأنس والبهجة مع ما يتضمّن ذلك من لقاء الأصدقاء, والرياضة والعمل والسعي والسفر والترفيه عن النفس وتلاوة القرآن والتفكّر في عظمة خلقة الله وبذل الصدقة تُوصل الإنسان إلى نفس النتيجة.

الإسلام والفرح

   إنّ الدين الإسلامي يحثّ على الابتهاج والسعادة, وقد تمّ التأكيد بشكلٍ كبير في الآيات والروايات على العمل والسعي والفرح والسرور. وهنا نرى أنّ الإسلام قد حثّ وشجّع على إيجاد حالة الفرح والسرور في قلب الإنسان بعد الالتفات إلى احتياجاته الأساسية. فنرى أنّ القرآن قد عدّ الحياة المليئة بالبهجة والسرور نعمة ورحمة إلهية على غرار الحياة المحفوفة بالبكاء والجزع والتي تكون بعيدة عن رحمة الله وفضله.

   لقد أوعز النبي الأكرم (ص) يوماً إلى جميع المسلمين وأمرهم بالتهيؤ والاستعداد للقيام بحرب دفاعية ضد الكافرين والمشركين. فما كان من مجموعة منهم أن تخلّفوا عن المشاركة والالتحاق في عداد هذا الجيش وعصوا أمر الله ورسوله! يقول الله سبحانه في القرآن الكريم:

{فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ؛فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[1].

   نرى هنا أنّ الله سبحانه وتعالى يبيّن هذه الحقيقة وهي إظهار نعمة الفرح والسعادة مقابل الجزع والبكاء, فالضحك هو من العلامات الدالة على البهجة والفرح وهو أمر طبيعي وفطري, وعليه يريد الله أن يُعاقب هؤلاء العصاة لأمره بهذا العقاب بأن يحرمهم من هذه النعمة.

   كذلك وبالرجوع إلى وصف القرآن للجنّة نرى أنّ الإسلام قد حث وأكدّ على البهجة والسرور, والله سبحانه قد خلق الجنة لأجل هذا السبب وهو سعادة وبهجة الناس. يُبيّن القرآن أسباب الفرح والسرور وعلى الخصوص للمؤمنين عندما يقول:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زینَةَ اللّهِ الَّتی أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّیِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ؟ قُلْ هِیَ لِلَّذینَ آمَنُوا فِی الْحَیاةِ الدُّنْیا خالِصَةً یَوْمَ الْقِیامَةِ}[2].

   بالإضافة لذلك لقد أكدّ المعصومون عليهم السلام على الفرح والسرور. يقول الإمام الرضا (ع): “اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الاخوان والثقات الذين يعرّفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم، و بهذه الساعة تقدرون على الثلاث[3].

  إنّ حالة السعادة والسرور النفسية كأنس أولياء الله بمناجاة ربّهم, أو فرح العلماء بحلّهم للمسائل العلمة أكبر بكثير وأجمل من هذا الفرح والسرور الدنيوي الظاهري.

   وعليه فإنّ سعادة المتّقين تكون عندما يُوفّقون لطاعة الله والابتعاد عن معصيته. يقول أمير المؤمنين عليه السلام:”سُـرورُ المُؤمنِ بطاعَةِ رَبّـهِ وَ حُزنُهُ عَلی ذَنبِـه[4].ويقول أيضاً: “فَلْیَکُنْ سُرُورُکَ بِمَا نِلْتَ مِنْ آخِرَتِکَ وَ لْیَکُنْ أَسَفُکَ عَلَى مَا فَاتَکَ مِنْهَا[5].

[1]سورة التوبة: الآية81-۸۲.

[2]سورة الأعراف:الآية۳۲.

[3]بحارالأنوار، ج۷۵، ص۳۲۱.

[4]غررالحکم ودرر الکلم، ج1، ص516.

[5]نهج البلاغة، الرسالة 22.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment