نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

الموضوع: أوصاف المتّقین 47

العلامة الثامنة عشر:

“إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا تُحِبّ”.

   لو حصل ولم تستجب نفس الإنسان له للقيام بالعبادات والأفعال الحسنة بل كانت تميل للإتيان بالسيئات بدلاً عنها, فالإنسان المتّقي لا يُعطيها مرادها عند ذلك, بل يعمل على خلاف ما تريده وتتوق إليه. والحاصل أنّ المتّقي يكون في حالة مجاهدة دائمة مع نفسه لأنّ نفسه عدوّ له.

جهاد النفس

   عندما رجع جيش النبي (ص) من غزوة كانوا قد ذهبوا إليها قال لهم:”مَرْحَباً بِقَوْمٍ قَضَوُا الْجِهَادَ الْأَصْغَرَ وَ بَقِيَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص) وَمَا الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ؟ قَالَ جِهَادُ النَّفْسِ”[1].

   إنّ الخنوع والتسليم أمام العدو من المزالق التي تودي بالإنسان إلى الهلاك. فالطريق الوحيد لنجاة الإنسان هو مواجهة ومقارعة العدو. يقول النبي الأكرم (ص): “أَعْدَى‏ عَدُوِّكَ‏ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْك”[2].

   فنفس الإنسان كالحصان الهائم غير المنضبط الذي إن لم يُحسن صاحبه لجمه والإمساك بعنانه يرميه في قعر الهلاك والضلال. وعليه كلّما عملت على ضبطه أكثر كلّما قلت العداوة معه. يقول أمير المؤمنين (ع): “لَا تُرَخِّصُوا لِأَنْفُسِكُمْ‏ فَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ مَذَاهِبَ الظَّلَمَةِ”[3].

   وهكذا فإنّ المتّقين على جهاد دائم مع أنفسهم, وكلّما شاهدوا جموحها يسعون جهدهم لتأديبها, وهذا ما يحصل عندما يحرمونها طلبتها وما تريده. هذا التأديب في الواقع هو من مراحل (المرابطة) بمعنى البقاء في حالة من الاستعداد والتهيؤ الدائم, بالإضافة للمراقبة الدائمة من وساوس الشيطان وتسويلات النفس الأمّارة. يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن عن المرابطة {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[4].

   ومن أجل تحقّق المرابطة يجب على الإنسان أن يعمل على محاسبة نفسه قبل أن يقوم الملائكة الموكلون يوم القيامة بنشر صحيفة أعماله ومحاسبته هناك. يقول الإمام الصادق عليه السلام: “فَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ‏ أَنْ‏ تُحَاسَبُوا عَلَيْهَا”[5].

   أمّا فيما يتعلّق بمحاسبة النفس التي هي المرابطة في الأصل فهنا لا بد من تحقّق مقدمتين حتّى تكون المحاسبة مفيدة ومثمرة:

1- المشارطة

   إنّ عقل ونفس الإنسان مثلهما مثل الشريكين اللذين يتعاملان سويّاً وفق شروط يتفقون عليها في بادئ الأمر. فالنفس هي كالشريك الذي يعمل من أجل خدمة العقل. في المقابل نرى أنّ العقل في الواقع يكون كالتاجر الذي يكسب أرباحه من تجارته للآخرة والتي يكون قوامها تزكية النفس فقط. يقول الله جل وعلا {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها، وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها}[6].

   هنا نجد أنّ الإنسان أمامه نعمة عظيمة جدّاً في كل لحظة من لحظات حياته لا عوض لها, بحيث يمكنه وبالاستفادة منها أن يصل إلى ماشاء الله من خزائن المعرفة والمحبّة والرضوان لله عزّ وجل. وعليه في حال مرّت هذه الفرض ولم ينهل منها الإنسان فإنّ مسير الهلاك والضلالة سيكون مآله لا محالة, وسيتلقّى خسارة عظيمة لن يكون قادراً على تعويضها في المستقبل. وعليه فكم من المناسب أن يجلس الإنسان يخلو بنفسه كلّ يوم بعد صلاة الصبح ويشارطها ويقول لها: أنا لا أملك رأسمال في حياتي سوى هذا العمر القليل المنصرم, ولو ذهب هذا القليل منّي سأكون قد أضعت كل ما أملكه. فهذا يوم جديد قد منّ الله به عليّ وهذه نعمة جديدة قد تفضّل بها عليّ. ولو حصل وقُبضت روحي الآن لكنت سأطلب من الله عزّ وجل صاغراً أن يعيدني إلى هذه الدنيا ولو ليوم واحد حتّى أعمل صالحا. وعليه أيّتها النفس! تصوري أنّك قد ذهبت من الدنيا ومنحك الله فرصة جديدة لكي ترجعي إليها, فكوني على حذر أن يفلت هذا اليوم من عقالك ويذهب هدرا.

2- المراقبة

   نصل الآن إلى النقطة الثانية, بعد المشارطة يأتي وقت مراقبة النفس. النفس الأمّارة تكون على خلاف دائم مع الأوامر الإلهية, وعندما يخرج كبح جماحها عن سيطرة الإنسان ستودي بصاحبها إلى الهلاك لا محالة. وعليه فالنفس الأمّارة تكون في واحدة من هذه الحالات الثلاث:

– إمّا أن تكون منهمكة في الطاعة والعبادة, وبالتالي يجب مراقبتها في هذه الحالة حتّى لا يفسد العمل العبادي بالنيّة السيئة لغير الله.

– وإمّا أن تكون مبتلية بارتكاب المعاصي والسيئات, ففي هذه الحالة يجب أن تستفيق من غفلتها وتلتفت إلى أنّ الله ناظر وشاهد على جميع أعمال الإنسان وهذا ما يجب أن يمنعه من ارتكاب المعصية, ولو حصل وتلوّث قلبه بالذنب عليه أن يُسرع إلى التوبة وإصلاح ما بدر منه من أخطاء.

– وإمّا أن تكون منشغلة بأمر مباح كتناول الطعام أو النوم, وهنا في هذه الحالة يجب أن لا تغفل عن القيام بجملة من الآداب كالبدء بذكر الله و… لا بل على الإنسان أن يكون في حالة من المراقبة لكي لا يصير العمل المباح سبباً للغفلة عن ذكر الله وإعطاء النفس مسوّغاً للطمع أكثر فأكثر.

   وهكذا بناء على ما تقدم نصل إلى المحاسبة التي تكون بعد المشارطة والمراقبة, حيث يجب أن يُخصّص الإنسان ساعة آخر يومه لمحاسبة نفسه, يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ}[7].

   نختم بما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في ضرورة محاسبة النفس حيث يقول: “لَيْسَ مِنَّا مَنْ‏ لَمْ‏ يُحَاسِبْ‏ نَفْسَهُ‏ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَإِنْ عَمِلَ خَيْراً [حَسَناً] اسْتَزَادَ اللَّهَ مِنْهُ وَحَمِدَ اللَّهَ عَلَيْهِ وَإِنْ عَمِلَ شَرّاً اسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْهُ وَ تَابَ إِلَيْهِ”[8].

[1]  الكافي، ج5، ص12.

[2]  مجموعه ورّام، ج1، ص59.

[3]  نهج البلاغة (صبحي صالح)، ص١١٧.

[4]  سورة آل عمران:الآية 200.

[5]  من لا يحضره الفقيه، ج‏٤، ص٤١٠.

[6]  سورة الشمس:الآية ٩-١٠.

[7]  سورة الحشر:الآية ١٨.

[8]  الزهد، ص٧٦.‏

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment