نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

الموضوع: أوصاف المتّقین (55)

العلامة الثامنة والعشرون للمتقین:

‏ “مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ“.

   الشهوة مفهوم عام يشتمل على جميع الرغبات والميولات النفسية, وتستخدم كذلك في خصوص “الميولات الجنسية”. وبالرجوع إلى نفس الرغبة والميل النفساني في الدنيا, نجد أنّ لدينا نوعين: 1- الميل الكاذب. 2- الميل الصادق.

   إنّ الميل والإرادة الصادقة هي الشيء الذي يختلّ بدن الإنسان فيما لو لم يتحقّق, وذلك كالميل لتناول الطعام عند الإحساس بالجوع. وهنا لا بدّ من سدّ هذه الاحتياجات للميل الصادق طبق الموازين والتعاليم الشرعية بشكلٍ متوازن ومعتدل. فعلى سبيل المثال ميل ورغبة الإنسان لتناول الطعام وشرب الماء أو حتّى الزواج يجب أن يتحقّق من خلال تناول الأطعمة والأشربة المحلّلة والزواج الشرعي وتشكيل الأسرة. وعليه نصل إلى هذه النقطة أنّ أصل وجود هذه الميولات النفسية عند الإنسان ما هو إلاّ نعمة وموهبة من الله سبحانه وتعالى كي تستمر عجلة الحياة ويعيش الناس بسلامة وعافية.

  أمّا الرغبة والميل الكاذب فهي الشيء الذي لا يختلّ بدن الإنسان فيما لو لم يتحقّق, بل على العكس ربّما تكون سلامة جسد وروح الإنسان بالابتعاد والنأي عنها, ويكون ارتكابها والإتيان بها سبباً لظهور أمراض روحية ونفسية كثيرة.

  وبالرجوع إلى المتّقين نجد أنّهم وقفوا في وجه هذه الرغبات والميولات النفسية, ولم تتلوث عدالتهم وإيمانهم بقباحة هذه الشهوات. فعندما يقول أمير المؤمنين في بيانه لصفات الإنسان المتّقي بأنّ شهوته ميّتة فهذه كناية عن أنّ المتّقين وقفوا أمام طغيان وجموح نفوسهم ولم يقعوا في شراك رغباتها وميولاتها الخارجة عن الضوابط والتعاليم الشرعية.

كمال العقل بنقصان الشهوة

   كلّما ازداد نور العقل في قلب الإنسان كلّما ضعف تأثير مفاسد الشهوة على الإنسان, وبالتالي فإنّ جموح الشهوة وطغيانها هو علامة على نقص القوة العاقلة لدى الإنسان. يقول أمير المؤمنين عليه السلام:

– “إِذَا كَمُلَ الْعَقْلُ نَقَصَتِ الشَّهْوَةُ[1].

– “لا عقلَ معَ شَهوَةٍ[2].

– “قَرِينُ‏ الشَّهْوَةِ مَرِيضُ النَّفْسِ مَعْلُولُ الْعَقْلِ[3].

العلامة التاسعة والعشرون للمتقین:

‏ “مَكْظُوماً غَيْظُهُ“.

   الغيظ يعني الغضب الشديد للانتقام من ظلم لحق بالإنسان, ويأتي “كظم الغيظ” في الوقت الذي يكون الإنسان في قمّة غضبه ولكن ومع قدرته على الانتقام وتمكنّه من ذلك يضبط نفسه ويسيطر على حاله ولا ينتقم.

   إنّ حالة العضب والانفعال من أخطر الحالات التي تعرض على الإنسان, بحيث لو لم يسيطر الإنسان عليها ويضبطها تظهر بشكلٍ جنوني عليه. وهنا نرى أنّ الكثير من الجنايات والقرارات الخاطئة والخطرة التي يدفع الإنسان عمره ضريبة لها تحصل في هكذا حالات ومواقف.

   يكتب الملّا الفيض الكاشاني في كتابه القيّم المحجّة البيضاء: “إعلم أنَّ الحِلمَ أفضلُ من کظمِ الغیظِ، لِأنَّ کظمَ الغیظِ عبارةٌ عنِ التَّحَلُّمِ أي تکلّفِ الحِلمِ”[4].

   إنّ كظم الغيظ صفة محمودة ويمكن للإنسان بالمواظبة عليها أن يصل إلى مقام الحلم ويناله. وهذه الصفة ولقيمتها عند الله سبحانه وتعالى ذكرها الله في القرآن الكريم وبيّنها من ضمن صفات المتّقين عندما قال: {وَسارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[5].

ثمرات کظم الغیظ

لقد ذكر أهل البيت عليهم السلام نتائج وثمرات عديدة عن كظم الغيظ:

1-  الرفعة في الدنيا والآخرة

يقول الإمام الصادق (ع): “مَا مِنْ عَبْدٍ كَظَمَ غَيْظاً إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عِزّاً فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ‏ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏ وَ أَثَابَهُ اللَّهُ مَكَانَ غَيْظِهِ ذَلِكَ[6].

الرضا يوم القيامة

يقول الإمام الصادق (ع): “مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَ لَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ أَمْلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِضَاهُ[7].

الإيمان والأمان يوم الحساب

يقول الإمام الباقر (ع): “مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَ هُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِمْضَائِهِ حَشَا اللَّهُ قَلْبَهُ أَمْناً وَ إِيمَاناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ[8].

   إنّ أحد المصاعب التي يبتلي بها الإنسان في ساحة العدل الإلهي يوم القيامة في المحشر هو الخوف والوهم. فهناك في ذلك اليوم يرى جميع أعماله ماثلة أمامه كما يقول القرآن الكريم {وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَ يَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}[9].

   وهنا يُبهت الناس من دقّة هذه المحكمة الإلهية ويُصاب الجميع بالحيرة والذهول من شدّة الخوف الذي يعتريهم حينها {يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَ تَرَى النَّاسَ سُكارى‏ وَ ما هُمْ بِسُكارى‏ وَ لكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}[10].

   نعم يوم القيامة الجميع يكونون مذهولون وخائفون ممّا ينتظرهم وماذا سيكون مصيرهم؟ فترى أنّ مجموعة يدخلون الجنّة بكلّ عزّة واحترام بكل أمنٍ وأمان. هؤلاء لم ينخدعوا بمفاتن الدنيا وقدموا إلى يوم الجزاء كاظيمن لغيظهم ببال هادئ مرتاح. وعليه يكافئهم الله تعالى بأن يفتح أبواب الجنّة أمامهم ويستقبلهم بأمن وأمان فيها.

[1]  تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، ص 52.

[2]  تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، ص 54.

[3]  عيون الحكم والمواعظ (لليثي)، ص٣٧٢.

[4]  المحجّة البیضاء، ج٥، ص٣١٠.

[5]  سورة آل عمران: الآية 133-134.

[6]  الكافي، ج٢، ص١١٠.

[7]  الكافي، ج٢، ص١١٠.

[8]  الكافي، ج٢، ص١١٠.

[9]  سورة الکهف: الآية 49.

[10]  سورة الحج: الآية 2.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment