نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

الموضوع: أوصاف المتّقین (53)

العلامة الرابعة والعشرين للمتقین:

قَانِعَةً نَفْسُهُ“.

   القناعة في اللغة تأني بمعنى قنع يقنع قناعة: أي رضي بالقسم فهو قنع[1].وقد وردت عدّة فوائد للقناعة في الروايات والأحاديث الصادرة عن المعصومين:

– الجنّة والرضوان الإلهي: يقول أمير المؤمنين عليه السلام: “مَنْ رَضِيَ مِنَ اللَّهِ بِالْيَسِيرِ مِنَ‏ الرِّزْقِ‏ رَضِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِالْقَلِيلِ مِنَ الْعَمَل[2]. ويقول الإمام الصادق (ع) أيضاً: “مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ ابْنَ آدَمَ كُنْ كَيْفَ شِئْتَ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ مَنْ رَضِيَ مِنَ اللَّهِ بِالْقَلِيلِ مِنَ الرِّزْقِ قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ الْيَسِيرَ مِنَ الْعَمَلِ…[3].

   مهما سعى الإنسان وجهد في عبادته لله سبحانه, فلن يكون قادراً على إيفاء نذرٍ يسير من نعم الله عليه. وبالرجوع إلى الروايات وأخبار المعصومين نجد أنّ أحد فوائد القناعة هي أنّ الله تعالى يتجاوز عن تقصير ومعاصي عبده حتّى لو كانت أعمال الخير وعباداته قليلة ومتواضعة, وفي الأخير يوفيه جزاءه بأن يوصله إلى رضوانه الذي يُشكّل نعمة في الجنّة.

– الاستقرار في الحياة: يكمل الإمام الصادق (ع) كلامه في الرواية السابقة ويقول: “وَمَنْ رَضِيَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْحَلَالِ خَفَّتْ مَئُونَتُهُ[4].

   اليوم يعاني الكثير من الناس من ثقل أعباء الحياة عليهم. ولذلك ترى الكثير منهم وبسبب الضغط الكبير الملقى عليهم يذهبون للاستفادة من الأدوية المهدّئة كي يخفّفوا من التوتّر والأمراض النفسية التي تلحق بهم. من هنا عندما تضطرب روح الإنسان ويفتقد الراحة, سترى أنّ أعضاء الإنسان وجوارحه قد تأثرّت أيضاً بشكلٍ كبير, وهذا ما سيسبّب أمراضاً مختلفة له. وعليه يبرز دور القناعة في التخفيف عن عاتق الإنسان سواء من ناحية مصروفه أو راحته وهدوء باله, وهذا ما سيبعث على تحليقه في سماء الكمال والسعادة. يقول أمير المؤمنين (ع): “لَا كَنْزَ أَغْنَى مِنَ الْقَنَاعَةِ وَلَا مَالَ أَذْهَبُ لِلْفَاقَةِ مِنَ الرِّضَى بِالْقُوتِ وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى بُلْغَةِ الْكَفَافِ فَقَدِ انْتَظَمَ الرَّاحَةَ وَتَبَوَّأَ خَفْضَ الدَّعَةِ وَالرَّغْبَةُ مِفْتَاحُ النَّصَبِ وَمَطِيَّةُ التَّعَبِ[5].

– تحصيل الطهارة والعفّة: يقول الإمام علي عليه السلام: “ثَمَرَةُ الْقَنَاعَةِ الْإِجْمَالُ فِي الْمُكْتَسَبِ وَالْعُزُوفُ عَنِ الطَّلَبِ[6].

   من الأمور الأساسية التي تبعث على الانحراف والضياع مسألة جمع المال والحرص على جمع مقدار أكبر من الثروة. ولذلك نرى أنّ الإنسان الحريص ومن أجل أنّه لا يكتفي برزقه الحلال يذهب ويسعى لتحصيل المزيد من المال من طرق غير شرعية. وعليه يكون قد لوّث رزقه بالمال الحرام والكذب والخداع وسائر أنواع المعاصي والأعمال القبيحة والمنكرة, في الوقت الذي لو قنع بما قُسِم له من الرزق الحلال لما كان ابتلى وتلوّث بكلّ هذا الفساد, ولما حُفّ رزقه بالمعاصي وتلوّن بها.

– عدم الحاجة: يقول أمير المؤمنين (ع): “ثَمَرَةُ الْقَنَاعَةِ الْغَنَاءُ[7].

   عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: “اشتدت حال رجل من أصحاب النبي (ص) فقالت له امرأته، لو أتيت رسول الله (ص) فسألته فجاء إلى النبي (ص) فلما رآه النبي (ص) قال: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله ، فقال الرجل: ما يعني غيري فرجع إلى امرأته فأعلمها، فقالت: إن رسول الله (ص) بشر فأعلمه فأتاه فلما رآه رسول الله (ص) قال: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله ، حتى فعل الرجل ذلك ثلاثا ثم ذهب الرجل فاستعار معولا ثم أتى الجبل، فصعده فقطع حطبا، ثم جاء به فباعه بنصف مد من دقيق فرجع به فأكله ، ثم ذهب من الغد، فجاء بأكثر من ذلك فباعه، فلم يزل يعمل ويجمع حتى اشترى معولا، ثم جمع حتى اشترى بكرين وغلاما ثم أثرى حتى أيسر فجاء إلى النبي (ص) فأعلمه كيف جاء يسأله وكيف سمع النبي (ص) فقال النبي (ص): قلت لك: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله..”[8].

يقول الإمام الصادق (ع): “مَنْ قَنِعَ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ فَهُوَ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ[9].

– عزّة النفس: يأتي الناس الحريصون الطمّاعون ومن أجل تحقيق ما يرومون إليه يتظاهرون بالعجز أمام أصحاب الثروات ويتملّقون ويحتالون لذلك, الأمر الذي يودي بهم إلى تحقير نفوسهم وتدمير شخصيّتهم. يقول أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الصدد: “الطَّامِعُ‏ فِي‏ وِثَاقِ‏ الذُّلِّ[10]. ولكن على غرار هذا نجد الإنسان القانع لا يرى نفسه محتاجاً لغيره, ولا يستصغر نفسه أمام الآخرين, فيبقى رأسه مرفوعاً على الدوام وكرامته محفوظة. يقول أمير المؤمنين (ع): “ثَمَرَةُ الْقَنَاعَةِ الْعِزُّ[11].

[1]  العین، ج۱، ص۱۷۰.

[2]  مكارم الأخلاق، ص ١٤٨.

[3]  الكافي، ج‏٢، ص١٣٨.

[4]  الكافي، ج‏٢، ص١٣٨.

[5]  نهج البلاغة (صبحي صالح)، ص٥٤٠.

[6]  عيون الحكم والمواعظ (ليثي)، ص ٢٠٨.

[7]  عيون الحكم والمواعظ (ليثي)، ص ٢٠٨.

[8]  الكافي، ج٢، ص١٣٩.

[9]  نفس المصدر.

[10]  نهج البلاغة (صبحي صالح)، ص ٥٠٨.

[11]  عيون الحكم والمواعظ (ليثي)، ص ٢٠٨.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment