نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

الموضوع: أوصاف المتّقین (56)

العلامة الثلاثين للمتقین:

‏ “يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَ يُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ، وَ يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ“.

إنّ الإنسان المتّقي لا يُعامل من أساء إليه وظلمه بالمثل وحسب ويقوم بقطع علاقته به بل يسعى إلى التصرّف والعمل بأحسن نحوٍ ممكن. فتراه يُقابل الظلم بالخلق الحسن ولا يغفل عن حاجته وعلى الخصوص عند الضيق, وهكذا ومع أنّه أقدم على قطع علاقته معك عليك أن تمضي قدماً وتُعاود السعي لإيجاد العلقة والارتباط من جديد.

و توصيف هذا التصرّف مقابل الإنسان الظالم مقتبسٌ من صفة الشجاعة, لأنّه وفي الوقت الذي كان قادراً على الانتقام من ظلم الظالم, أقدم على إعطاء من حرمه, وهذا نتيجة السخاء الموجود داخله, كما أنّ صلة الإنسان بالشخص الذي قطع علاقته به يرجع إلى خصلتي العفّة والشجاعة.

وهكذا نرى أنّ هذه الصفات تحكي عن الروح السامية والنفس الزكية التي لم تتأثر بالأفعال المشينة للآخرين, ولم تعمد إلى تجاوز ساحة الأخلاق والعقلانية انطلاقاً من الانتقام.

لقد وردت آياتٌ كثيرة في القرآن الكريم تتحدث عن العفو والصفح من قبيل ما قاله الله سبحانه:

{خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِين}[1].

{وَلْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[2].

كذلك نرى في القرآن الكريم آياتٌ تتحدث عن القصاص والمقابلة بالمثل داخل إطار الشرع والقوانين الإلهية كما في الآية الشريفة: {فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}[3].

والآن نصل إلى السؤال التالي كيف يمكن الجمع بين آيات القصاص والآيات التي تتحدّث عن العفو والصفح؟

لقد أعطى الله سبحانه وتعالى الحق للمظلومين بأن يقتصّوا من الظالم (ضمن الدائرة التي حدّدها الشارع لهم), من دون أن يحصل هناك إفراطٌ وتجاوز, ولكن في الوقت نفسه قام بدعوتهم لما هو أسمى وأرقى والذي يتمحور في الغالب على إصلاح الشخص المخاطب وتهذيب نفس الإنسان المظلوم ورفع أخلاقه وهذا ما يتلخص في العفو والصفح. والسبب في هذا الأمر أنّ الإنسان عندما يتجاوز عن مقدرته على الانتقام فهذا يُعدّ نوعٌ من مجاهدة النفس وقمع روح الانتقام التي تبعث على تقوية الإيمان وزيادة التقوى في داخله.

يقول القرآن الكريم مخاطباً الرسول الأكرم (ص) والذي يُعدّ الأسوة والقدوة لجميع المسلمين عندما يقول له: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ}[4].

ويُبيّن الله جلّ وعلا في سورة فصّلت نتيجة هذا الإقدام الحسن والمبادرة الطيبة عندما يقول: {وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}[5].

وهكذا نصل إلى أنّ أثر هذا التصرّف الحسن يصل في الكثير من الأحيان إلى تنبيه الإنسان المخطئ وتليين قلبه ورفع الكدورة الموجودة فيه وتبديل العداوة والفرقة الموجودة إلى المحبة والود. ولكن هذا لا يتأتى من أيّ إنسان بل يصدر ممّن عملوا على تربية أنفسهم وإعدادها لهكذا مواقع ومواقف. لقد ظهرت هذه الحقيقة بشكلٍ جلي في القسم المتبقي من الآية في سورة فصلت: {وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَ ما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}[6].

لقد عدّ أمير المؤمنين عليه السلام هذه الصفات الثلاثة من علائم وخصائص المتقين. وهنا يقول الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم:  “أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى خَيْرِ أَخْلَاقِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ؟ تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ وَ تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ وَ تَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ[7].‏

وفي الختام نصل إلى أنّ المؤمنين الذين يمتلكون هذه الخصال الثلاثة سيأتون يوم القيامة ويقفون بعزّة وشموخ في ساحة المحشر. ومن آثار هذه الصفات الثلاثة كما ورد في روايات الأئمة (ع) وصرّحوا به أنّها تستوجب عزّة ورفعة صاحبها. يقول الإمام الباقر (ع) : “ثَلَاثٌ لَا يَزِيدُ اللَّهُ بِهِنَّ الْمَرْءَ الْمُسْلِمَ إِلَّا عِزّاً: الصَّفْحُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَ إِعْطَاءُ مَنْ حَرَمَهُ وَ الصِّلَةُ لِمَنْ قَطَعَهُ[8].

والحمد لله ربّ العالمين

[1]   سورة الأعراف: الآية 199.

[2]  سورة النور: الآية 22.

[3]  سورة البقره: الآية 194.

[4]  سورة المؤمنون: الآية 96.

[5]  سورة فصلت: الآية 34.

[6]  سورة فصلت: الآية 34.

[7]  الكافي، ج‏٢، ص١٠٧.

[8]  الكافي، ج‏٢، ص١٠9.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment