نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

الموضوع: أوصاف المتّقین ۵۸

العلامة الثانية والثلاثون للمتقین:

‏ “بَعِيداً فُحْشُهُ لَيِّناً قَوْلُهُ“.

من الأمور التي يمتاز بها المتّقون أنّ كلامهم يكون عذباً وإيجابياً مع جميع الناس, فلا تجد للكلام الجارح والقبيح مكاناً له في كلامهم على الإطلاق. وليس المقصود أنّهم لا يتفوّهون بهذا وحسب بل لا يوجد أيّ صلة بين هكذا كلام وبيهم. يقول الإمام الصادق عليه السلام في إجابته عن حدّ حسن الخلق: “تُلِينُ‏ جَنَاحَكَ‏ وَ تُطِيبُ كَلَامَكَ وَ تَلْقَى أَخَاكَ بِبِشْرٍ حَسَنٍ[1].

كذلك يقول النبي الأكرم (ص) في تأكيده على الكراهية الشديدة من جانب الله سبحانه للإنسان السبّاب: “إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى كُلِّ فَحَّاشٍ بَذِي‏ءٍ قَلِيلِ الْحَيَاء لَا يُبَالِي مَا قَالَ وَ لَا مَا قِيلَ لَهُ[2].

فالفحش والسباب من الصفات الرذيلة التي تحطّ من قدر الأشخاص وتدني من شأنهم, وذلك كما يقول الإمام الباقر عليه السلام: “سِلَاحُ‏ اللِّئَامِ‏ قَبِيحُ الْكَلَامِ[3].

وهكذا نصل إلى أنّ هذا الصنف من الناس لا مكان له بين العقلاء والأشخاص الصالحون في المجتمع لأنّهم ليسوا من سنخهم. فلسان الإنسان يحكي عن حقيقته في الواقع, ولذلك نرى أنّ الإنسان الذي يكون باطنه نورانياً وصافياً ستجري في المقابل الكلمات الجميلة والعذبة على لسانه, كذلك من كان باطنه ملوثاً وظلمانيّاً سنجد أنّ الكلام القبيح والسيء سيأخذ مجراه على لسانه في المقابل.

يقول أمير المؤمنين: “الْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ‏ لِسَانِهِ[4]. أي أنّ الإنسان يكفيه أن يتكلم حتّى تظهر خبايا شخصيته وما تكتنفه في داخلها.

لقد نهى الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد عن استخدام الألفاظ السيئة والمشينة من قبل المؤمنين عندما قال{لا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَ مَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[5]

لقد اتفق مراراً وبسبب الألفاظ المشينة والقبيحة أن يبتعد الناس عن الشخص المتكلّم حتّى لو كان مازحاً أو كان قصده السخرية بسبب كسر هذا الكلام لخاطرهم. وعليه من يدأب على السباب والكلام السيء لن يبقى من ودّ بينه وبين المحيطين به.

الفحش سبب لرفع البركة وجلب الفقر

 

جاء في الخبر: “مَنْ‏ فَحَشَ‏ عَلَى‏ أَخِيهِ‏ الْمُسْلِمِ‏ نَزَعَ اللَّهُ مِنْهُ بَرَكَةَ رِزْقِهِ وَ وَكَلَهُ إِلَى نَفْسِهِ وَ أَفْسَدَ عَلَيْهِ مَعِيشَتَهُ[6].

إنّ أثر القول السيء والسباب يرجع في بادئ الأمر على نفس الشخص المتلكم. فنرى أنّ النعم التي قد منّ الله سبحانه وتعالى بها على الإنسان في حياته من الزوجة الصالحة والولد الطيب والأصدقاء المخلصون تُسلب من يد الإنسان السبّاب صاحب الكلام السيء والقبيح وترتفع هذه البركة من عنده. يقول أمير المؤمنين (ع): “كَمْ مِنْ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً[7].

آثار القول اللين الحسن

إنّ المداراة واللين في الكلام تبعث على إيجاد المحبة والألفة والأنس في قلوب المخاطبين, وتُسهم أيضاً في قبول الشخص المخاطب للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك. ولأجل ذلك نرى أنّ الله سبحانه وتعالى عندما أرسل موسى وهارون إلى فرعون أمرهم بأن يتكلّما معه برفق ولين{اذْهَبا إِلى‏ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏ * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشی}[8].

وبالرجوع إلى الرسول الأكرم (ص) نرى أنّ أحد مكارم الأخلاق التي كان يمتاز بها هي اللين في القول الذي أشار إليه الله جل وعلا في كتابه عندما قال: {فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}[9].

دعاء الله بتطهير اللسان من القول البذيء

نرى أنّ الإمام السجاد عليه السلام في دعاء مكارم الأخلاق يقف في تعداده على آفات ومعاصي اللسان عند الفحش من القول, ويطلب من الله سبحانه أن يستبدله بالحمد والثناء له ويجري هذا عل لسانه. فيقف طالباً راجياً منه  تعالى:

اللَّهُمَّ اجْعَلْ … مَا أَجْرَى عَلَى لِسَانِي مِنْ لَفْظَةِ فُحْشٍ‏ أَوْ هُجْرٍ أَوْ شَتْمِ عِرْضٍ أَوْ شَهَادَةِ بَاطِلٍ أَوِ اغْتِيَابِ مُؤْمِنٍ غَائِبٍ أَوْ سَبِّ حَاضِرٍ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ نُطْقاً بِالْحَمْدِ لَكَ، وَ إِغْرَاقاً فِي الثَّنَاءِ عَلَيْكَ، وَ ذَهَاباً فِي تَمْجِيدِكَ، وَ شُكْراً لِنِعْمَتِكَ، وَ اعْتِرَافاً بِإِحْسَانِكَ، وَ إِحْصَاءً لِمِنَنِكَ[10].

[1]  الكافي، ج٢، ص١٠٣.

[2]  الكافي، ج٢، ص323.

[3]  كشف الغمّة في معرفة الأئمة، ج٢، ص١٢١.

[4]  الأمالي (للصدوق)، ص٤٤٧.

[5]  سورة الحجرات: الآية ١١.

[6]  وسائل الشيعة، ج‏١٦ ، ص٣٣.

[7]  كنز الفوائد، ج‏٢، ص١٤.

[8]  سورة طه:الآية 43 – 44.

[9]   سورة آل عمران:الآية 159.

[10]  الصحيفة السجادية، الدعاء العشرون، ص١٣٦.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment