نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

العلامة الرابعة والثلاثون للمتقین: 

‏ “لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ وَ لَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ“. 

   من الصفات التي يتّسم بها المؤمنون أنّهم لا يظلمون الآخرين ولا يرتكبون المعاصي, أمّا المتّقون فعلاوة على عدم تعديهم وظلمهم حتّى لأعدائهم تراهم يُكنّون المحبّة والود للآخرين ولا يتجاوزون التعاليم الأخلاقية والحدود الإلهية المفروضة. فمن شدّة قوّة ملكة العدالة لديهم ومراعاتهم الكبيرة لها ينظرون إلى الصديق والعدو من منظار واحد. فإذا حصل وتحقّقت العداوة مع أحدٍ ما لا يتجاوزون حدود الدين والإنسانية على الإطلاق. وهذا لأنّهم لا يريدون النيل والخلاص من أعدائهم بأيّ طريقة كانت وكيفما اتفق.

  لقد أرشدنا الإسلام إلى لزوم أن يكون هدفنا مقدساً, وهنا لا بدّ أن تكون الوسائل المتاحة للوصول إلى هذا الهدف وتحقيقه مقدّسة أيضاً. فعلى سبيل المثال لا يجب علينا أن نكذب أو نغتاب أو نتهم بالباطل, وليس هذا من أجل منافعنا الشخصية والخاصة وحسب, إنّما من أجل الدين نفسه, فلكي نُحافظ على سمو الدين ورفعته لا ينبغي علينا أن نرتكب أموراً غير أخلاقية مشينة تُلحق الضرر به. وعليه الدين نفسه لا يُجيز لنا أن نتسافل في أخلاقنا وننحط في ابتعادنا عنها.   

   وهكذا نصل إلى أنّ الإنسان لا ينبغي عليه أن يبني على الاستفادة من أيّ وسيلة من أجل الوصول إلى هذا الهدف, سواء كانت هذه الوسيلة مشروعة أم لا. يقول الكثيرون ” اَلْغایاتُ تُبَرِرُ الْمَبادئ “, أيّ أنّ النتيجة تبرر مقدمات العمل, فيكفي أن يكون الهدف صحيحاً وصائبا حتّى يُصبح الاستفادة من أيّ مقدمة مشروعاً له. إنّ هذا الأصل والأساس باطل من وجهة النظر الإسلامية. والخلاصة إذا أردنا أن نسعى للوصول إلى هدفٍ مقدس لا يوجد أمامنا خيارٌ غير الاستفادة من الوسيلة والمقدمات المقدسة. 

يقول أمير المؤمنين (ع): 

إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ وَ إِنْ نَقَصَهُ وَ كَرَثَهُ، مِنَ الْبَاطِلِ وَ إِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةً وَ زَادَه“.  

  بالرجوع إلى المعارف الإسلامية وحتّى في خصوص التعامل مع الأعداء لا يجب تجاوز حريم القوانين الإلهية وإلحاق الظلم بالأعداء. فالمتّقون لا يصل بهم الحال للتشفّي والانتقام من أجل تحصيل ما سُلب من حقوقهم, ولذلك لا يُقابلون الظلم بالإساءة. وهنا نجد كيف كان أمير المؤمنين مظهر تطبيق الأخلاق السامية أمام الأعداء بشكلٍ كبير. 

   لقد واجه أمير المؤمنين الكثير من المخالفين له, فنرى في موضوع الخوارج الذين كانوا يعملون ضدّ الإمام سلام الله عليه كيف جاء من كان يُشاورهم وأشاروا عليه بقطع الدعم المالي عنهم من بيت المال. ولكنّ الإمام رفض تطبيق ذلك في حقّ رعيته وقال: 

أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ؛ وَ اللَّهِ لَا أَطُورُ بِهِ  مَا سَمَرَ سَمِيرٌ وَ مَا أَمَّ  نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً؛ لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ فَكَيْفَ وَ إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّه“.  

   هذا من جهة ومن جهة أخرى لا تغلب المحبة والمشاعر على عقل وإيمان المتّقين في الغالب. فلا تجدهم يقتفون أثر الشيطان من أجل عشقهم وتعلقهم بشخصٍ معين أو فئة خاصة من الناس. والسبب ليس لأنّه لا يوجد محبة في قلوبهم تتغلّب على محبة الله, بل كلّ ما يحبّونه يقوم على أساس محورية الله سبحانه وتعالى. فالإنسان المتّقي يختار صديقه بناءً على محبتّه لله وإطاعته له. فترى أنّ محورية الله موجودة وحاضرة في كلّ ما يُحدّده ويختاره. وعليه من لا يريد أن يسير معهم على هذا الأساس ويسعى لإيجاد هوّة وفاصلة بينهم وبين الله لا يجارونه في ذلك أبداً, والسبب أنّهم لا يرتضون أن يكسبوا ودّ أحدٍ على حساب غضب الله جلّ وعلا. فالمتقون وانطلاقاً من معيار محورية حبّهم وبغضهم المتقوّم على الله لا يظلمون أعداءهم على الإطلاق ولا يحيدون عن الله في محبتهم وعلاقتهم مع الآخرين, بالإضافة إلى عدم حيادهم عن الإنسانية والأخلاق في مسيرهم للوصول إلى أهدافهم.   

يقول أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة: 

وَاللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُه‏”.  

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment