نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

العلامة الخامسة والثلاثين للمتقین: 

‏ “يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ“.

في المحكمة دائماً ما يوجد طرف مُدّعي وآخر منكر. فيطلب القاضي من الشخص المُدّعي أن يُقدّم أدلته للمحكمة وأن يحضر الشهود على مدعاه إن وُجدوا. وعليه نصل إلى أنّ إقامة الشهادة وتقديم الدليل يكون في الوقت الذي لا يعترف الإنسان المخطئ بما ارتكبه من خطأ وينكر بالتالي ما اجترحه. ولكن هذا لا ينطبق على حال المتقين وحسب. فلو حصل وكان هناك حقّ للآخرين في ذمتهم, تراهم ومن دون أيّ عناء يعترفون به بحيث أنّ الشخص صاحب الحق لا يشعر بالحرج والقلق أبداً من ناحية تضييع حقه وعدم الإقرار به. 

وهنا ربّما ينقدح السؤال التالي أنّه كيف يمكن للإنسان المتقي أن يرتكب خطأً يستوجب اعترافه وإقراره به ؟ والجواب أنّ العصمة وعدم الخطأ موجودة لدى الأنبياء والأئمة الأطهار عليهم السلام فقط, وما سواهم من الناس ليسوا بمعصومين من هذه الناحية, وبالتالي يمكن أن يقع منهم السهو والنسيان بحيث يستوجب تضييع حقوقٍ يكون أداؤها واجباً وفرضاً عليهم. 

وهكذا فإنّ المتقين على علم ودراية كاملة بأنّ المجازاة والعقاب في الدنيا أهون بمراتب من عقاب الآخرة واستحقاق غضب الله سبحانه. يقول القرآن الكريم في هذا الصدد {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَ لَوْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى‏ بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى‏ أَنْ تَعْدِلُوا وَ إِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً}. 

الاعتراف بالحقّ والتسديد الإلهي

يقول الرسول الأكرم (ص) في تعريفه لأتقى الناس: “أَتْقَى‏ النَّاسِ‏ مَنْ‏ قَالَ‏ الْحَقَّ فِيمَا لَهُ وَ عَلَيْهِ“. 

كما أنّنا نجد الإمام السجاد (ع) يوصي ولده في آخر لحظات حياته بالصبر على الحق. يقول الإمام الباقر (ع): “لَمَّا حَضَرَتْ أَبِي عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ علیهماالسّلام الْوَفَاةُ ضَمَّنِي إِلَى صَدْرِهِ وَ قَالَ يَا بُنَيَّ أُوصِيكَ بِمَا أَوْصَانِي بِهِ أَبِي حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَ بِمَا ذَكَرَ أَنَّ أَبَاهُ أَوْصَاهُ بِهِ، يَا بُنَيَّ‏ اصْبِرْ عَلَى‏ الْحَقِ‏ وَ إِنْ كَانَ مُرّاً“. 

وبالرجوع إلى ما كتبه أمير المؤمنين (ع) في عهده لمالك الأشتر نجد:  الْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ وَ قَدْ يُخَفِّفُهُ اللَّهُ عَلَى أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا نُفُوسَهُمْ‏ وَ وَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللَّهِ لِمَنْ صَبَرَ وَ احْتَسَبَ فَكُنْ مِنْهُمْ وَ اسْتَعِنْ بِاللَّهِ“.

إنّنا نجد أحياناً أن وقع الحقيقة وقبولها يكون صعباً على الإنسان ومؤلماً له, ولكن إذا عمد الإنسان إلى عدم بيع الآخرة بهذه الدنيا الفانية والزائلة عندها سيجد أنّ المدد الغيبي والعون الإلهي إلى جانبه وستصبح صعوبة الإقرار بالحق أمراً سهلاً وعذباً عليه. وهذا ما وعد الله سبحانه عباده في القرآن الكريم حيص قال {وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.

خدع الشيطان

إنّ أحد الخدع والحيل التي يعمد الشيطان إلى استخدامها في تضليل العباد هي أنّ يزيّن الباطل لهم ويظهره بشكلٍ وصورة منمقة يغترون بها, فيسهل أمر الباطل عليهم ويستسيغونه ويبتعدون بالتالي عن الحق والصواب. فالمعصية دائماً ما يتصورها الإنسان العاصي بحالتها المصحوبة باللذة وهذا ما يجعله غافلاً عمّا يرتكبه ويفعله وإلاّ فسيكون القلّة هم أصحاب المعاصي والذنوب. يُحذّر أمير المؤمنين (ع) من هذا الأمر حيث يقول: “اصْبِرْ عَلَى مَضَضِ مَرَارَةِ الْحَقِّ وَ إِيَّاكَ أَنْ تَنْخَدِعَ‏ لِحَلَاوَةِ الْبَاطِل“.

نتيجة الإقرار بالحق

يرى الله سبحانه وتعالى أنّ الإقرار بالحق له مكانته الكبيرة عنده, ولذلك يعتبر هذا العمل مستحقّاً للمثوبة والمكافاة في الدنيا والآخرة. يقول الإمام الصادق عليه السلام: “اصْبِرْ عَلَى‏ الْحَقِ‏ فَإِنَّهُ لَمْ يَصْبِرْ أَحَدٌ قَطُّ عَلَى الْحَقِّ إِلَّا عَوَّضَهُ اللَّهُ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ“. 

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment