نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

العلامة الأربعون للمتقين: 

‏ “إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ“.  

الصمت في اللغة بمعنى السكوت الطويل. وهنا يأتي كلام أمير المؤمنين بمعنى أنّ المتقين لا يتذمرون من صمتهم, لأنّهم يختارون الوقت والظرف المناسب لذلك و ويصمتون, في المقابل يتكلمون في الوقت الصحيح, وعليه من البديهي أنّ صمتهم لن يكون سبباً لغمهم وحسرتهم, ففي الوقت الذي يجب أن يتكلموا به يتكلمون ولا يصمتون.  

يقول الإمام الرضا عليه السلام عن قيمة وثمرة السكوت: “مِنْ عَلَامَاتِ الْفِقْهِ الْحِلْمُ وَ الْعِلْمُ وَ الصَّمْتُ إِنَّ الصَّمْتَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْحِكْمَةِ إِنَّ الصَّمْتَ يَكْسِبُ الْمَحَبَّةَ إِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ“.  

جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله أوصني فقال: احفظ لسانك قال: يا رسول الله أوصني، قال: احفظ لسانك، قال: يا رسول الله أوصني، قال: “احفظ لسانك، ويحك وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم“.  (وهذا يدلّل على أنّ غالبية الناس يدخلون النار بسبب ألسنتهم) . 

يقول الإمام الصادق (ع): “كَانَ الْمَسِيحُ يَقُولُ لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ الْكَلَامَ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَاسِيَةٌ قُلُوبُهُمْ وَ لَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ“.  

إنّ من يكثر كلامه يزداد في المقابل احتمال خطئه وتعثره, وكل خطيئة تنعكس على شكل نقطة سوداء على صفحة القلب النورانية البيضاء, وعليه مع تراكم هذه النقاط سيصبح قلب الإنسان أسوداً قاتم وبالتالي يقسو قلبه. يقول أمير المؤمنين عليه السلام في خطابه لأبي عبد الله الحسين عليه السلام:  مَنْ‏ كَثُرَ كَلَامُهُ‏ كَثُرَ خَطَؤُهُ‏ وَ مَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ وَ مَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ وَ مَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ وَ مَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ“.  

طبعاً السكوت لا يكون محموداً في جميع الأوقات والظروف, بل إنّ التكلّم في بعض المواضع راجح لا بل يمكن أن يكون واجباً شرعيا والسكوت كذلك يمكن أن يستوجب غضب وسخط الله سبحانه وتعالى. ففي المكان الذي يُعطّل واجب من واجبات الله سبحانه وتعالى أو يُعدّ الحرام حلالا, يجب على الإنسان في حال توفر شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يطلق العنان للسانه ويواجه هذا الإنحراف. فالسكوت راجح عندما لا يكون هناك رجحان للكلام أو له لزوم عقلي وشرعي. ومع كل ذلك تبقى قيمة السكوت أعلى وأرفع من الكلام.  

يقول الإمام الصادق (ع): “لَا يَزَالُ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يُكْتَبُ مُحْسِناً مَا دَامَ سَاكِتاً فَإِذَا تَكَلَّمَ كُتِبَ مُحْسِناً أَوْ مُسِيئاً“.  

العلامة الواحدة والأربعين للمتقین: 

‏ “وَإِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ“. 

المتقون ومن شدة وقارهم يراعون الأدب والأخلاق حتّى أثناء ضحكهم, فهم يتبعون مثلهم الأعلى وقدوتهم النبي الأكرم (ص) في ذلك. فقد ورد في أحوال النبي (ص) أنّ ضحكه كان التبسّم, وقلّ أن ضحك بشكلٍ هادئ, ولم يصدر منه القهقة أو الضحك بصوتٍ عال على الإطلاق. وهكذا كان دأب جميع الأئمة الأطهار (ع). فنرى في التاريخ يكتبون عن الإمام الرضا عليه السلام: “لَا رَأَيْتُهُ يُقَهْقِهُ فِي ضَحِكِهِ قَطُّ بَلْ كَانَ‏ ضَحِكُهُ‏ التَّبَسُّمَ“.  

يقول أمير المؤمنين (ع): “خَيْرُ الضَّحِكِ‏ التَّبَسُّمُ“.  

في الختام وبالرجوع إلى تعاليم القرآن وأهل البيت عليهم السلام يـتأتّى لنا أنّ المؤمن وجهه بشوش في الوقت الذي يكون قلبه ممتلئاً بالخوف والرجاء. فالخوف من عصيان الله ودرك سوء العاقبة والأمل بالوصول إلى هدايته ورحمته. ففي داخله وبينه وبين نفسه يكون غارقاً في التفكّر والمراقبة, وهذه كلّها حالات شخصية خاصة به, وهذا لا يعني أنّ ما يراه الناس منه هو الوجه العابس القاتم. على العكس فمحيّاه أمام الناس يكون مفعماً باللطف والمحبة والبشاشة, وتراه في خلواته يبكي ويناجي ربّه خوفا من سوء ما يفعله ويقوم به وبالتالي طول وقوفه يوم القيامة بين يدي العزيز الجبار هناك في محكمة العدل الإلهي, فيرجو صفح الله عنه شوقاً للقائه والمثول أمامه. 

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment