نماز جمعه

                            خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

العلامة الرابعة والأربعين للمتقين:

‏ “بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَ نَزَاهَةٌ وَ دُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَ رَحْمَةٌ لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَ عَظَمَةٍ وَ لَا دُنُوُّهُ بِمَكْرٍ وَ خَدِيعَةٍ“.  

إنّ ابتعاد الإنسان المتّقي عن الآخرين ونأيه بنفسه عنهم يرجع إلى زهده وعدم رغبته بما لديهم من مال وممتلكات, فهو لا يريد تلويث نفسه بما لديهم, وعليه فهذا الأمر ليس من باب التعالي والتكبر عليهم. كذلك فإنّ قربه ومعاشرته للآخرين يرجع إلى رفقه وعطفه وحنانه. فهو لا يتزلّف لهم ولا يداهنهم من أجل الوصول إلى أهدافه وتحقيق مقاصده.  

وهكذا فإنّ المتّقين لم يتمسّكوا بهذه الدنيا الفانية, فتراهم قد جعلوا أعمارهم التي هي عبارة عن رأسمالهم الصغير والقيّم وكرّسوها في سبيل مرضاة الله سبحانه وتعالى, وعلى هذا الأساس رتّبوا أعمالهم وبرنامج حياتهم. فكان منهم ولمعرفتهم بأمر تأثير المعاشرة على الإنسان أن كرّسوا أوقات جلساتهم ورفقتهم مع المؤمنين مقابل ابتعادهم عن ملازمة ومعاشرة الفئات الباقية من الناس. 

 لقد حذّرت الآيات والروايات وبشدّة المؤمنين من ملازمة ومعاشرة رفاق السوء. فيبين الله سبحانه وتعالى في القرآن كلام شخص من أهل الجنة من أنّه لو اتّبع مسلك صديقه لكان معه في النار ولكن الله أنجاه من الوقوع في ذلك {قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ؛ يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ؛ أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً وَ عِظاماً أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ؛ قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُون؛ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيم؛ قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ؛ وَ لَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ}. 

يقول أمير المؤمنين (ع): “صُحْبَةُ الْأَشْرَارِ تَكْسِبُ الشَّرَّ كَالرِّيحِ إِذَا مَرَّتْ بِالنَّتْنِ حَمَلَتْ نَتْناً “. 

كذلك يقول القرآن الكريم عن تأثير صديق السوء {وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ}.

تأتي مادة (قيّضنا) أحيانا بمعنى تبديل شيء مكان شيء واستبداله به, وعليه يصبح معنى الآية أنّنا نستبدل الرفاق الصالحين برفاق السوء. وقد جاء هذا المعنى في الآية التالية من سورة الزخرف {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَ إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}.  

صداقة ومرافقة المتقين

يقول القرآن الکریم {يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى‏ يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً؛ يا وَيْلَتى‏ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً؛ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَ كانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً}. 

بالرجوع إلى القرآن الكريم الفئة الناجية التي لن تتحسر على ما قدّمت يوم القيامة هم المتّقون وهؤلاء من يجب على الإنسان معاشرتهم وملازمتهم {الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ}. 

وفي الأخير نصل إلى هذه الخلاصة أنّ معاشرة المتّقين ورفقتهم تستوجب الفوز والنجاة وأيّ صداقة ورفقة مع غير هؤلاء ستسوجب الانحراف والضلال في الدنيا والندامة والحسرة يوم القيامة. يقول أمير المؤمنين (ع): “مَنْ دَعَاكَ إِلَى الدَّارِ الْبَاقِيَةِ وَ أَعَانَكَ عَلَى الْعَمَلِ لَهَا فَهُوَ الصَّدِيقُ‏ الشَّفِيقُ“.

وجاء في نهج البلاغة: “قَارِنْ‏ أَهْلَ‏ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ وَ بَايِنْ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُم“.  

فَصَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً كَانَتْ نَفْسُهُ فِيهَا فَقَالَ أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ عَلَیهِ السَّلام: ” أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ»، ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا“. 

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment