نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

الأنبياء في القرآن (9)

الأسس المشتركة في سيرة الأنبياء

الأصل العاشر:  الدعوة إلى قبول الدين بالتعقل

لقد دأب الأنبياء الإلهيون على قلع جذور التقليد الباطل من المجتمع ودعوة الناس لاعتناق الدين بعد البحث والتحقيق.

رفض التقليد الأعمى للأجداد

يؤكد القرآن الكريم عند بيانه لسنّة الأنبياء واقع صدامهم مع عبدة الأصنام حيث يُبيّن مقولتهم لتبرير عبادتهم للأصنام بأنّ هذا ما وجدنا عليه آباءنا. فكان من الأنبياء إبطال هذه المقولة بنهيهم عن اتباع طريقهم الباطل وذلك لسبب أنّ آباءهم وأجدادهم قد ساروا في هذا الطريق بغير بيّنة ودليل عليه.

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}[1].

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}[2].

كذلك كان يؤكد القرآن الكريم على رفض الكثير من الأمور المنسوبة للآباء والأجداد والتي تنطوي على سننٍ سيئة وغير محمودة, فيأتون ويتمسّكون بها على أنّها تعاليم دينية من قبل الله تعالى, وهكذا كان الجواب {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}[3].

لا بل ترقّى القرآن إلى اعتبار هذا الاتباع والتقليد الأعمى لطريق الآباء والأجداد باباً يدخل منه الشيطان ويصطنع الفتن بواسطته {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}[4].

الدعوة إلى التمسك بالمعتقدات الدينية على أساس العلم والمعرفة

لقد رفض النبي الأكرم التبعية والتقليد الأعمى من المؤمنين به, لا بل حثّهم كباقي الأنبياء على الإيمان به بالبصيرة والمعرفة, وهذا ما نراه في كلامه عندما يقول الله عزّ وجل {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[5].

كما قد رفض القرآن الكريم التبعية والانقياد لأيّ أمرٍ من دون تحصيل العلم والتعقّل الكافي عندما قال {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ}[6].

لا بل كان الأنبياء الإلهيون يقولون لأقوامهم أن خذوا كلامنا وإذا وجدتموه مطابقاً للعلم والعقل اعملوا به, لا أن تقبلوا بما نقولوه من دون تفكير وتعقّل وتأمّل وعليه لا تجادلوا بغير علم بغية الإنكار {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ}[7].

وعليه نرى أنّ الأنبياء الإلهيين كانوا دائماً ما يدعون مخالفيهم إلى التعقّل ويطلبون منهم الاستدلال بالمنطق والبرهان على ما مدّعاهم وهذا شعارهم الذي كانوا يرفعونه أمامهم  {أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[8].

التحذير من الضلالة بسبب التبعية للادعاءات الواهية

يُخبرنا القرآن الكريم عن أشخاصٍ كانوا يجادلون الأنبياء الإلهيين بغير علم وذلك من أجل تضليل الناس, والحال أنّه يجب الالتفات إلى هذه الحقيقة أنّ الناس ومن أجل تشخيصهم للحق من الباطل عليهم أن يلجأوا إلى الفهم والتفكير بشكلٍ علمي مستندٍ إلى العقل. يقول القرآن الكريم  {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ؛ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ}[9].

تبعية الأنبياء لمن سبقهم من المرسلين عن علم

يُذكر في التاريخ والسير أنّ الأنبياء كانوا يُصدّقون بنبوة من سبقهم من النبيين والمرسلين ويُكملون طريقهم في الحقيقة. وهذا لا يعني التبعة والتقليد الأعمى لهم أبداً, بل كان ذلك بعد التأكد بواسطة العلم والعقل والمنطق بأنّ طريق الهداية الإلهية كان موجوداً في دعوة هؤلاء الأنبياء وساروا جميعهم عليه. وهذا ما يؤكد عليه القرآن الكريم عندما يرى أنّ اقتداء رسول الله بمن سبقه من الأنبياء كان بسبب هدايتهم والطريق الذين اتبعوه لا انقياداً لشخصهم الكريم وحسب {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ؛  أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}[10]

وفي الأخير نصل إلى أنّ تقليد الإنسان المجتهد في الشريعة الإسلامية يُعدّ كذلك من باب التبعية عن علم لا صرف تقليد أعمى. فهي تبعية تبتني على العقل وتكون من باب رجوع الجاهل إلى العالم.

[1]  سورة البقره: الآية۱۷۰.

[2]  سورة المائده: الآية ۱۰۴.

[3]  سورة الأعراف:الآية ۲۸.

[4]  سورة لقمان:الآية ۲۱.

[5]  سورة یوسف:الآية ۱۰۸.

[6]  سورة الحج:الآية ۳.

[7]  سورة لقمان:الآية۲۰.

[8]  سورة النمل:الآية ۶۴.

[9]  سورة الحج:الآية 8 – 9.

[10]  سورة الأنعام:الآية 89- 90.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment