نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

الأسس المشتركة في سيرة الأنبياء

الأصل الحادي عشر: حل النزاعات والمشاكل بين الناس

من الأصول التي يشترك فيها الأنبياء الإلهيون عند تبليغهم للرسالة هي مسألة حل النزاعات والاختلافات بين الناس في حياتهم الاجتماعية. يقول القرآن الكريم: 

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.  

إذا عدنا إلى الأيام الأولى للخلقة ونظرنا إلى المجتمعات البدائية التي تشكلت آنذاك فإننا سنرى بأنّ الاختلافات والمشاكل بين الناس كانت موجودة وحاضرة. ويعود سبب هذه المشاكل إلى تعارض مصالح الناس مع بعضها الآخر. وبما أنّ الإنسان مدني بطبعه ويعيش داخل جماعات فإنّ ظهور هذا الاختلاف أمر طبيعي ولا مفر ومهرب منه. 

وعليه يمكن استخلاص نتيجتين من هذه الآية الشريفة: 

لقد جاء الأنبياء من أجل حل هذه المشاكل والاختلافات بين الناس. مضافاً إلى أنّ الصلح والتعايش ونشر المحبة بينهم هو هدف لجميع الأنبياء الإلهيين. وهنا ومن أجل إحقاق هذه الأهداف في المجتمع لا بدّ من قانون وتعاليم يسيرون عليها. 

بناء على ما تقدم لا بدّ لهذا القانون أن يكون مناسباً وعادلاً ويقوم جميع الناس بالالتزام والعمل به, وبالتالي سيرتفع الاختلاف والعداء وسيحل الصلح والمحبة مكان العداوة والكراهة وهذا أحد الأهداف الاجتماعية لإرسال الأنبياء من عند الله سبحانه وتعالى. وبالرجوع إلى القرآن الكريم نرى بأنّ التعاليم والتشريعات المناسبة للمجتمعات الإنسانية تبتني جميعها على التوحيد الفطري والأخلاق الفاضلة. 

وهنا وحتى يكون القانون صحيحاً ويُعطي النتيحة المرجوّة لا بدّ وأن ينظر إلى تكوين هذا العالم ومبدأ الوجود فيه, ويكون هذا أساساً ومنطلقاً له. 

الاختلاف قبل وضع القانون

تشير هذه الآية القرآنية إلى نحوين من الاختلاف بين الناس: 

الاختلاف قبل وضع القانون: يظهر هذا الاختلاف قبل عرض الآراء والأفكار على القوانين الإلهية, وبالتالي إقرار القانون العادل والصحيح بين الناس. وهذا ما تمّ الإشارة إليه في الشق الأول من الآية {بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}.

يرجع هذا الاختلاف في حقيقته إلى الطبيعة البشرية. فترى هناك تمايزاً وتغايراً بين أيّ شخصين يعيشان في رقعة جغرافية مشتركة. ولكن هذا التغاير ليس مذموماً لأنّه وبسبب هذا التنوع الموجود ستكون أفكار الإنسان وقرارته حكيمة ومدروسة بشكل أكبر. وعليه ومع تلاقح الأفكار وتعدّد الآراء بهذا النحو سنرى ونشهد تقدّماً ورقيّاً أكبر في المجتمع البشري. ولعلّ حديث (اختلاف أمتي رحمة) المنسوب للنبي الأكرم (ص) – بناء على صحة هذه النسبة – يُشير إلى هذا المعنى.  

كما أنّ أصل المشورة في أخذ القرارات العامة المتعلقة بأمور المجتمع والذي أكدّ عليه الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يرجع إلى هذا المعنى. يقول القرآن الكريم «شَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ», فالله يريد للآراء المختلفة ووجهات النظر أن تُعرض وتناقش قبل أخذ القرار النهائي. 

الاختلاف بعد وضع القانون: يظهر هذا الاختلاف بعد عرض الآراء والأفكار ووجهات النظر بين الناس بل وحتى بعد أخذ القرار النهائي. وهذا ما تم الإشارة إليه في الآية الكريمة {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ}.

إنّ هذا النوع من الاختلاف يودي بالمجتمع إلى الركود والجمود ويأخذ به إلى هاوية الانحطاط, وقد ذمّه الله في العديد من الآيات القرآنية. وقد عُبّر عن هذا الاختلاف في هذه الآية وفي آيات أخرى بالتعنّت والتعصّب كما في قوله تعالى {وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ}. 

الأصل الثاني عشر: التبشیر والتحذير

من الأصول الأخرى المشتركة في سيرة جميع الرسل الإلهيين وكما يُصرّح القرآن الكريم بأنّهم مبشرون ومنذرون. يقول القرآن الكريم {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ}… 

ويقول في حق النبي الأكرم (ص) {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً}. 

لقد جاء الأنبياء الإلهيون كي يبشروا الناس بالجنة ونيلهم للنعم الأخروية وتحصيلهم لمرضاة الله من خلال إتيانهم بالأعمال الحسنة وعبادة الله القهار, بالإضافة إلى إنذارهم وتحذيرهم من النار وعقوبة ارتكابهم للمعاصي وسلبهم لحقوق الآخرين.  

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment