نماز جمعه

                            خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

الأنبياء في القرآن (11)

الأسس المشتركة في سيرة الأنبياء

الأصل الثالث عشر: الصبر على عداوة ومخالفة وسخرية القوم 

من الأمور التي اشترك فيها جميع الأنبياء وجود عدو يقف في وجههم. فكان يدأب أعداؤهم وبشتّى الطرق والوسائل لإحباط مساعي الأنبياء وإيجاد الموانع أمام تبليغهم لرسالتهم, ولكنّ الله سبحانه كان يمدّ أنبياءه بالعون ويحميهم من جميع المخاطر التي تكتنفهم. فقد بدأت هذه العداوة من وسوسة الشيطان واستمرت إلى قتل الأنبياء. يُخاطب القرآن الكريم رسول الله (ص): {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.

الاستهزاء بالأنبیاء

إنّ إحدى أشكال العداوة التي واجهها الأنبياء هي الاستهزاء والسخرية بهم وبرسالتهم الإلهية التي يحملونها, وبالرجوع إلى ما ينقله القرآن نرى بأنّ جميع الأنبياء واجهوا هذا الأمر {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}. 

فتارة يتّفق أنّ هذه السخرية والاستهزاء تنشأ من الجهل وعدم معرفة الناس, وبسبب هذا الجهل برسالة الأنبياء الإلهية وعدم فهمهم لها يسخرون ويهزؤون بها. وهنا يـتأسف القرآن الكريم من حالة الجهل هذه ونأي الناس بأنفسهم عن طريق الهداية والرحمة الإلهية نتيجة جهلهم ويتحسّر على حال هذه الفئة منهم عندما يقول {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}. 

وأخرى يكون سبب هذا الاستهزاء هو الاستناد على العلوم التجريبية والمادية, والحال أنّ تعاليم الأنبياء ورسالتهم لا تنافي العقل والعلم ولا تتعارض معه. يقول القرآن الكريم {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}. 

وهنا نصل إلى أنّ السخرية والاستهزاء بالتعاليم الدينية ليست منحصرة بزمن الأنبياء, بل كان دائماً ما يتفق أنّه وبسبب الجهل والفهم الخاطئ والانحرافات الأخلاقية أن يهزأ الناس بتعاليم الأنبياء ورسالتهم, وما زال هذا الأمر مستمراً إلى يومنا الحاضر. يقول القرآن الكريم في حق الفئة الثالثة الذين وبسبب ذنوبهم وتكدّر قلوبهم وصلت بهم الحال إلى الحرمان من التعاليم الدينية واتخاذ السخرية والاستهزاء سبيلاً لهم {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ}. 

قتل الأنبیاء

لقد زاد العداء مع الأنبياء حتّى وصل الحال بأقوامهم أن يقتلوهم. فعندما كانت كفة الأنبياء ترجح على كفّة مخالفيهم بسبب دعوتهم المبتينة على الفطرة الإلهية وبمجرّد شعورهم استشعارهم للهزيمة أمامهم كانوا يقدمون على قتلهم. يقول القرآن الكريم في حق العديد من أقوام الأنبياء:

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} … 

{وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ}. 

الانتصار الحتمي للأنبياء

إنّ النصر والمدد للأنبياء كان ملازماً لهم جميها على مرّ التاريخ. يقول القرآن الكريم في هذا الخصوص{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}. 

كما وأنّ هذا المدد الإلهي كان مقترناً وعلى الدوام بالنصر على الأعداء. وبالرجوع إلى القرآن نرى وعده تعالى عندما يقول{كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}. 

وعليه فإنّ هزيمة الأنبياء تُخالف الوعد القطعي الذي ذكره الله سبحانه في القرآن الكريم. ولا يوجد نبي قد فشل في تحقيق أهدافه. وهنا ينبغي الالتفات إلى أنّ المقصود ليس شخص النبي ببدنه المادي بل مقام النبوة وإلاّ فإنّ جميع الأنبياء قد استقبلوا الموت بأبدانهم المادية كما جميع الناس إمّا بالموت الطبيعي أو بالقتل بالسم أو السيف… ومع ذلك فالمهم هو بقاء خط التوحيد قائماً وموجوداً ومقام النبوة محفوظاً على مرّ التاريخ, وعلى الرغم من كل ما قام به الأعداء من مكر وخديعة بقي الدين والاعتقاد بالله موجوداً بين الناس وهذا هو ما وعدهم الله به. 

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment