نماز جمعه

                            خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

الأنبياء في القرآن (17)

سجود الملائكة لآدم

نكمل مع قصة نبي الله آدم أبو البشر حيث يقول الله في القرآن في سورة البقرة {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}. 

لقد تكررت هذه الواقعة عدة مرات في القرآن الكريم عندما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا جميعا إلاّ إبليس. 

 حقيقة هذا الأمر تكوينية أم تشريعية

– لنا أن نسأل هل كان هذا الأمر الإلهي تشريعيا أم تكوينيا؟ وبعبارة أخرى هل صدر هذا الأمر واقعاً وحقيقة من جانب الله سبحانه وتعالى وامتثل له الملائكة جميعاً ما عدا إبليس، أو أنه لم يصدر هكذا أمر من الأساس بل إن هذا المطلب يأتي بمعنى التعظيم والتبجيل لآدم في كيان ووجود الملائكة؟ 

يذهب العديد من المفسرين للقرآن الكريم إلى أنّ هذا الأمر لا يمكن أن يكون تشريعيّاً, ذلك أنّ الملائكة ليسوا مختارين من ناحية الطاعة أو المعصية, يقول القرآن الكريم {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}. من هنا يكون الأمر التشريعي لهم خلاف الحكمة ولا يمكن تصوّره في حقهم, كما لا يمكن أن يكون أمراً تكوينيّاً لأنّ الأمر التكويني يكون بمعنى الشيء الموجود في ذواتهم, وهذا مما لا يقبل العصيان والمخالفة.  

كما يرى هؤلاء المفسّرون أنّ هذا الأمر الإلهي وقبول الملائكة وعصيان إبليس قد كان أمراً تمثيليّاً وحسب, لا أنّه قد صدر أمراً تشريعيّاً في الواقع أو تضمّن إشارة إلى أمرٍ تكويني. فما تؤكدّ عليه هذه الآية ويُدلّل عليه هذا الأمر أنّ أعلى مقامٍ في عالم الإمكان هو مقام الإنسانيّة وخلافة الله الذي خضع له جميع الملائكة وتمنّع عن ذلك إبليس.  

ولكن وبالالتفات إلى تكرّر هذ الواقعة في آيات وسور عديدة في القرآن الكريم لا يمكن أن تكون صرف واقعة تمثيلية بسيطة, بل لا بدّ أنّها كانت تشير إلى أمرٍ واقعي. وعليه ما هو الإشكال في أن يكون هذا الأمر في حقّ الملائكة تكوينيّاً ويكون في المقابل تشريعيّاً في حق إبليس وأعوانه؟

مضافاً إلى أنّ تمسّكنا بظاهر الآية واستخلاص وجود أمر ودستور إلهي له حيثيتان يكون أنسب من نفي حقيقة الواقعة واعتبارها صرف تمثيل بسيط. 

تفاخر واستکبار إبلیس

لقد تفاخر إبليس بسبب الجهل وعدم المعرفة وتكبّر على هذا الأمر الإلهي. كما بيّن الله سبحانه وتعالى تفاخر إبليس على الإنسان في آيات آخرى من القرآن الكريم عندما قال {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}.  

فنرى في هذه الآية في سورة البقرة أنّ علّة مخالفة ومعصية إبليس كانت تكبّره واستعلاؤه حيث قال تعالى {فسجدوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ}. لقد كان تكبّره مقابل الله وعصيانه للأمر الإلهي بحجة أفضليته على آدم, الأمر الذي استوجب تمرّده على أمر الله وطرده من محضره. يقول القرآن الكريم {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّه}. 

كما أيّد القرآن هذه المسألة أنّ الإنسان مخلوق من التراب والطين, بينما إبليس مخلوق من النار عندما قال تعالى {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ}. وقال أيضاً فيما يتعلّق بخلقة الجن {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ}. وهنا لا شكّ ولا ترديد أنّ النار ألطف وأفضل من التراب.  

ولكن مع ذلك بقيّت هذه النقطة أمام إبليس ولم يلتفت إليها ووقف تكبره مانعاً أمام فهمها وهي عندما قال الله عزّ وجل {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ؛ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}. 

وعليه فإنّ السجود لآدم في الحقيقة كان لهذه الروح الإلهية التي نفخها الله فيه, لا لهذا الجسد الترابي وحسب, حتّى يأتي إبليس ويقيسه ببدنه المخلوق من النار ويرى أفضليته على آدم. 

طرد الشیطان

لقد طرد إبليس بعد أن تكبّر وعصى أمر الله فكان الأمر الإلهي {قَال فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ}. وفي الختام يقول القرآن الكريم حول حقيقة طرد إبليس من مقام الملائكة الذي يمثّل مقام الطاعة للأوامر الإلهية لا التكبّر والإستعلاء في قبالها {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ}.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment