نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

الأنبياء في القرآن (19)

العبر من سيرة النبي آدم

يهدف القرآن الكريم من ذكر القصص للإشارة إلى هدفٍ معين, ومضافاً إلى مساهمة هذا الهدف في زيادة معرفة الناس بواقعية عالم الوجود وما يجري عليه فإنّه يهديهم إلى طريق السعادة والنجاة. وعليه يجب أخذ العبر من قصة خلقة آدم أبو البشر وما جرى فيها من أحداث, وسنشير إلى عدّة نكات في التعليم والهداية نستخلصها منها: 

  • لا يختص مقام خلافة الله بآدم أبو البشر وحسب, بل إنّ آدم هو مصداق الإنسان الكامل الذي قد وصل إلى هذه المرتبة.
  • إنّ العلوم والمعارف التي علّمها الله آدم لم تكن له خاصة, بل يمكن للإنسان الكامل الوصول إليها واكتسابها. 
  • لم يكن سجود الملائكة لشخص آدم, بل كان سجودهم للمقام السامي للإنسان الكامل. 
  • الشيطان ليس عدواً لشخص آدم فقط, بل هو عدو الإنسانية ودائماً ما يسعى لخداع الناس والإيقاع بهم. 

وهنا نشاهد أنّ الله سبحانه وكما خاطب آدم وحذّره من الشيطان {يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ}. كذلك خاطب سائر الناس{يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ}. 

يريد الله سبحانه وتعالى أن يرشدنا من نقله لهذه القصة أنّ الإمتحان الإلهي الذي تعرّض له آدم يجري علينا جميعاً. فلو كان يجب على آدم الإمتناع عن تناول تلك الفاكهة وعدم أكلها, لكان يجب علينا جميعاً أن نمتنع عن تناولها أيضاً. وهكذا وكما يكون الأكل من تلك الشجرة محرماً وتسبّب هذا الأمر بخلع آدم للباسه وخروجه من الجنة, كذلك يكون تناول الأطعمة والأشربة المحريمة سبباً في فقدان لباس العفة والطارة والحرمان من نعيم الجنة الإلهية. فلا يجب لأحد أن يغفل عن اللحظة التي يمكر بها شيطانه ويكيد له. والمطلوب أن يبقى الإنسان على يقظة دائمة ويراقب نفسه من الوقوع في وساوس الشيطان والانخداع بمكره. 

سیرة حالنبي إدریس

لقد أرسل الله النبي إدريس (ع) بعد آدم أبو البشر وقبل نبيه نوح عليهما السلام. ولم يخبرنا القرآن الكريم كثيراً عن إدريس, فقد اقتصر على الإشارة إلى نبوته من دون أن يتطرّق إلى الكلام عن رسالته التي بعث بها إلى الناس.    

ومع ذلك فقد ذكر لإدريس عدة أوصاف وأسماء:

– صدّيق: لقد ورد هذا الوصف في القرآن الكريم لنبي الله إبراهيم الخليل{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً}.  وجاء أيضاً في حقّ نبي الله إدريس{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً}. 

– صابر: الصبر من الأوصاف التي وردت في القرآن الكريم في حقّ نبي الله إدريس. كما وقد ذكرت صفة الصبر لمجموعة من الأنبياء الذين وصلوا إلى هذا المقام {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ}. 

– صالح: ذكر القرآن الكريم في الآية 85 من سورة الأنبياء, وفي مقام التمجيد لهؤلاء الأنبياء الإلهيين الثلاثة وصفهم بصفة صالح{وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ}. 

– المكان السامي: من الصفات التي خصّ بها القرآن الكريم نبي الله إدريس وذكرها في حقّه كانت عندما قال {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}. 

وهنا نرى تأكيد الله سبحانه على أنّ معيار السمو والتكامل هو التوحيد, وكذلك يكون معيار التنزّل والسقوط هو الشرك والكفر به {جَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا}. فالله في ذاته متسامياً في علوه, والدرجات العالية والمقامات السامية تنسجم مع ذاته المقدسة. وعلى هذا الأساس كلّما اقترب الإنسان من الله أكثر تنعّم بدرجات ومقامات القرب منه تعالى, وكلّما ابتعد عن الله تنزّل إلى الدرجات السفلى أكثر. وهنا كان نبي الله إدريس قد وصل إلى درجات القرب السامية. كما وقد كان واحداً من سلسلة الأنبياء الذين أكملوا مع نوح تاريخ البشرية.  

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment