نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

الأنبياء في القرآن (19)

سيرة نبي الله نوح (ع)

  نبي الله نوح من الأنبياء الإلهيين العظام, وكان أول نبي من أنبياء أولي العزم, وجاء بأول كتاب سماوي وأول شريعة إلهية لهداية البشر. ولأهمية قصة نبي الله نوح تمّ ذكرها في 14 سورة في القرآن الكريم, بالإضافة إلى وجود سورة باسمه أيضًا.

مقام نوح (ع) عند الله

يحظى نبي الله نوح بمقامٍ سامٍ عند الله سبحانه وتعالى. فنرى في هذه الآيات كيف أنّ الله سبحانه يخصّ أنبياءه بالسلام عندما يقول{سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ}  و{سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ}. 

ويُسلّم الله سبحانه وتعالى على يحيى عندما جاء إلى العوالم الثلاثة الدنيا, البرزخ والقيامة فيقول{وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً}. أو يذكر في القرآن الكريم ما نطق به عيسى بلسانه عندما قال {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً}. 

ولكن يقول في حقّ نوح (ع) {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ}. وهذا إن دلّ على شيء فهو يدل على أنّ كيفية إلقاء السلام على نوح تنبئ عن مقامه الخاص الذي حباه الله به من بين جميع الأنبياء الإلهيين. 

  

اصطفاء نوح (ع) من قبل الله سبحانه

   يتعرّض القرآن الكريم إلى اصطفاء نوح (ع) وتفضيله من جانب الله سبحانه وتعالى لا على البشر والناس فقط بل وعلى جميع عوالم الوجود حيث يقول {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}. 

الأوصاف الحسنة التي اختّص بها نوح

صالح: {امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ}. 

شکور: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً}. 

محسن: {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ, إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}.

نوح (ع) أول أنبياء أولي العزم (صاحب شريعة)

إنّ الدين المقبول عند الله يكون واحدًا في جميع القرون ولجميع البشر, والذي يتقوّم بروحه على التسليم لأمر الله سبحانه وتعالى. يقول القرآن الكريم في إثباته لهذا الأمر{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}.  ويقول أيضًا نافيًا ما سوى ذلك {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. 

ومع أنّ الأديان حقيقتها واحدة, إلّا أنّها تختلف في شرائعها وأحكامها, والسبب يرجع إلى أنّ مقوّمات وطريقة الحياة قد اختلفت مع مررو الزمن, وازدادت معرفة البشر أيضاً, وهكذا تغيّرت الشرائع الإلهية حتّى تكون متناسبة مع هذا التكامل المتحقّق عند البشرية, وحصل أن ختمت الشرائع بدين الإسلام وشريعته الكاملة التي جاء بها النبي محمد (ص), وقد قال الله عن هذا الدين بعد انتهاء النبي (ص) من تبلغ رسالته{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً}. 

لقد بدأت الشرائع الإلهية مع الشريعة التي جاء بها النبي نوح من عند الله سبحانه وتعالى. ويذكر الله في القرآن الكريم أسماء أنبياء أولي العزم الذين جاؤوا بشرائع جديدة لأممهم, ونجد من بين هؤلاء الأنبياء نوع (ع) وذلك عندما يقول {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى}. 

رسالة نبي الله نوح إلى قومه

لقد ابتنت الرسالة الإلهية لدعوة نوح (ع) والدين الذي دعا قومه إليه على التوحيد والعبودية لله سبحانه وتعالى{إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ؛ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ؛ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ؛ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. 

وهكذا نرى أنّ هذا هو نفس الدين الإلهي الذي وبواسطة الاعتقاد بالتوحيد والتقوى والتسليم لله سبحانه وتعالى يعد المؤمنين به بالمغفرة والعفو الإلهي عن الذنوب والمعاصي. ومن المؤكد أنّ شريعة نبي الله نوح (ع) كانت بسيطة وسهلة وغير معقدة من ناحية الشرائع الإلهية والتكاليف الاجتماعية التي تحدّثت عنها, وذلك بسبب بدائية الحياة وبساطتها آنذاك. يقول القرآن الكريم في نفس الآية التي أشارت إلى رسالة أنبياء أولي العزم{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ، وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى، أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}.

 

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment