نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

بدء دعوة نبي الله نوح (ع)

يقول القرآن الكريم عن بعثة النبي نوح (ع) ودعوته لقومه من أجل التصديق بها والعمل برسالته{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ؛ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}. 

ردّة فعل قوم النبي نوح (ع)

وبالرجوع إلى القرآن الكريم نرى أنّ قوم نبي الله نوح (ع) خالفوه ورفضوا دعوته بعدّة أساليب وطرق, وكان من النبي نوح (ع) أن أجابهم بكلّ هدوء ورويّة ومن دون أيّ انفعال وعصبيّة وباستخدام المنطق والاستدلال. وهكذا نرى بكلّ أسلوب وطريقة اتّبعها نوح (ع) درساً نتعلّم منه:

يؤكد القرآن الكريم على أنّ قوم نوح أهانوه في بادئ الأمر وضلّلوه{قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}. 

فأجابهم نوح بالمنطق وبالقول الحسن وبكلّ محبة على إهانتهم هذه له {قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ؛ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. 

التحقير والتكذيب

بعد ذلك تمادى بهم الحال وبدأوا بتحقيره, وكذّبوه أيضاً, فادّعوا عليه وعلى أتباعه بأنّهم أناس مثلهم لا يختلفون عنهم بشيء, فليسوا من جنس الملائكة أو الموجودات السامية, ومن سار خلفه واتّبعه هم المؤمنون المستضعفون الفاقدون للقيم الاجتماعية والعلمية {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ}. 

وهنا أجابهم نوح (ع) على هذا التحقير والتكذيب الذي يشبه إلى حدٍّ كبير التمييز العنصري الذي نراه في زماننا المعاصر:

فبدأ بجوابٍ عاطفي منطقي واستدل في كلامه على أنّه إنسان مثلهم {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ؛ وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ}. 

ثم أجابهم على كلامهم الذي نالوا فيه من أتباعه وأصحابه{مَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ؛ وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}. 

وختم قوله بإجابتهم على تكذيبهم له {وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ باعخَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}. 

طلب العذاب الإلهي

لقد طلب المخالفون لنوح (ع) منه أن ينزل عليهم العذاب الإلهي إن كان صادقاً في ما يقول وذلك بعدما عجزوا عن ردّ استدلاله وإجابته على مدّعاه, ومن هنا أظهروا عدم اعتقادهم بصدق وصحّة ما يقوله نوح (ع), بالإضافة إلى عدم تصديقهم بما كان يقوله نوح (ع) عن العذاب وقبول دعوته إلى دين الله أيضاً {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}. 

وهنا أكدّ نبي الله نوح (ع) أنّ طلب نزول العذاب يكون بمشيئة الله وإرادته وليس باختياره هو, وعليه كرّر مجدّداً التأكيد على عقيدة التوحيد بقوله{قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ؛ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.  

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment