صلاة الجمعة

   خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی

آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

 

الأنبياء في القرآن (70)

موسی (11)

 

امتناع بني إسرائيل عن دخول فلسطين

لقد أمر الله النبي موسى أن يُسكن بني إسرائيل في أرض فلسطين المقدسة. فأرسل موسى (ع) أشخاصا كي يستطلعو المنطقة. وعندما رجعوا أخبروه أن أهل تلك المنطقة أقوياء وأجسادهم طويلة وظلمة ومدنهم محصنة بشكلٍ كبير.

فأمر النبي موسى (ع) بني إسرائيل بدخول فلسطين {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}[1].

لكنّ بني إسرائيل لم يسمعوا لكلام موسى (ع) وعصوا أمره بالدخول إلى مدينة فلسطين وقالوا له {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}[2].

من الطبيعي أنّه لا بدّ من السعي كي يصل الإنسان للهدف. فلا يتحقّق أيّ هدفٍ بدون تعب وجدّ. إنّ جواب بني إسرائيل لموسى يدلّ على مدى ذلّتهم والخوف والتقاعس الموجود لديهم, فلم يكونوا مستعدين للتضحية بشيء من أجل تحقيق هدفهم بالدخول إلى أرض فلسطين المقدسة.

وهنا قام شخصان من بني إسرائيل مؤمنان ويخافان الله وقالوا لقومهم بكلّ جرأة لا تخافوا وتوكلوا على الله وادخلوا المدينة من بابها بشكلٍ طبيعي {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ، فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}[3].

إنّ النصر الذي عبّر عنه القرآن الكريم في كلام هذين الشخصين المؤمنين ليس بمعنى الانتصار في الحرب, بل يمكن أن يكون بمعنى التأثير بسلوكك الإنساني على الآخرين, فتتمكن من هدايتهم بواسطة إيمانك وتوحيدك, وتنتصر على طغيانهم.

لقد عانى عدّة أجيال من بني إسرائيل من الاضطهاد والظلم في حياتهم, ولازمتهم صفة العبودية ولم يعيشوا بسلامٍ مع الآخرين بمحبة ووئامٍ في المجتمع. فكانوا يتصورون أنّه يجب عليهم قتال أهل فلسطين واحتلالها, ومن جهة أخرى لم يكونوا مستعدين للحرب. لذلك قالوا لموسى (ع) بعد كلام هذين الشخصين المؤمنين معهم {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا، فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}[4].

وهنا وقف النبي موسى (ع) محتاراً في أمره فمن جهة أمره الله تعالى بدخول فلسطين ومن جهة أخرى لم يطعه قومه من بني إسرائيل. لذلك خاطب الله {رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}[5].

وهنا شاء الله سبحانه وتعالى أن يُحرم بنو إسرائيل من دخول أرض فلسطين بسبب عصيانهم لموسى (ع), وبقوا تائهين أربعين سنة في صحراء سيناء {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}[6].

يؤكد القرآن أنّ سبب هذا التيه لأربعين عاماً كان لعصيان بني إسرائيل ومخالفتهم للأوامر الإلهية, فقد جاء في الكتاب المقدس أيضاً أنّ سبب هذا التيه يرجع لغضب الله عليهم:

ولما تكلّم موسى بهذا الكلام إلى جميع بني إسرائيل بكى الشعب جدّاً, ثمّ بكّروا صباحا وصعدوا إلى رأس الجبل قائلين: “هوذا نحن نصعد إلى الموضع الذي قال الرب عنه فإننا قد أخطأنا” فقال موسى: “لماذا تتجاوزون قول الرب؟ فهذا لا ينجح. لا تصعدوا لأنّ الرب ليس في وسطكم لثلا تنهزموا أمام أعدائكم. لأنّ العمالقة والكنعانيين هناك قدّامكم تسقطون بالسيف. إنّكم قد ارتددتم عن الرب فالرب لا يكون معكم.

ويرى ابن خلدون من منظار علم الاجتماع وعلم النفس أنّ هذا التيه لأربعين عام كان لأجل استعباد بني إسرائيل لعدّة أجيال على مرور الزمن, فرسخت في نفوسهم خصلة العبودية والذلّة, لذلك لم يكن بإمكانهم تأسيس مجتمع. وقد هيّأ الله الظروف كي تكون هذه الأربعين عام فترة كافية كي يظهر جيل جديد يعيش في الصحراء ويتحمّل المشقّة ليصبح مؤهلاً لتأسيس مجتمع جديد.

[1]  سورة المائده: الآية 21.

[2]  سورة المائده: الآية 22.

[3]  سورة المائده: الآية 23.

[4]  سورة المائده: الآية 24.

[5]  سورة المائده: الآية 25.

[6]  سورة المائده: الآية 26.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment