صلاة الجمعة

     خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

 

 

الأنبياء في القرآن  (72)

موسی (13)

 

عبادة بني إسرائيل للأصنام

عندما تأخر موسى في العودة إلى قومه يومين قال بنو إسرائيل: “لم يفِ موسى بوعده بما قاله لنا. وجاء في التوراة أنّ الناس جاؤوا إلى هارون وقالوا له: انهض واصنع لنا إلها كي نهتدي به, فنحن لا نعلم ما الذي حلّ بموسى الذي أقد أخرجنا من مصر.

وهنا تهيأت الظروف أمام شخص اسمه السامري كي يُظهر شرّه ومكره. فقد استفاد من غيبة موسى بشكلٍ سيء, وبالالتفات إلى أنّ بني إسرائيل كانوا يرغبون بعبادة الأصنام قام بأخذ مقدار من الذهب والحلي التي كانت بحوزة نسوتهم, وصهرها في النار, وصنع منها مجسّما على هيئة بقرة. وسوّاه بحيث أنّ كل من نفخ فيه صدر منه خوار كصوت العجل. {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ، فَقَالُوا: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى، فَنَسِيَ}[1].

وهكذا ابتعد جهلة بني إسرائيل عن التوحيد  بالله وقاموا بعبادة صنمٍ على هيئة عجل. ومهما حاول هارون نصح قومه وتحذيرهم من عبادة الصنم لم يسمعوا له, حتّى أنّهم اقتربو منه وحاولوا قتله {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ: يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي؛ قَالُوا: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى}[2].

ويذكر القرآن أنّ الله قد سأل موسى (ع) عندما كان في جبل الطور عن بني إسرائيل وأخبره عن ضلالهم وانحرافهم {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى؟؛ قَالَ: هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى؛ قَالَ: فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ}[3].

بعد ذلك رجع موسى غاضباً من جبل الطور إلى قومه ووبخهم على نكرانهم لجميع هذه النعم الإلهية, وكيف راحوا يعبدون الصنم بعد كل ما جرى عليهم! فأجابوه: لم ننكث عهدنا معك برغبتنا وإرادتنا, فقد حصل ذلك نتيجة خداع وتضليل السامري لنا {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا، قَالَ: يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا؟ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي؟؛ قَالُوا: مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا، وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ}[4].

ثم مضى موسى إلى أخيه هارون وشدّ على رأسه بقوة وغضب منه. وهنا استنكر موسى على هارون كيف لم يقم بصدّ قومه عن عبادة الصنم؟ ولماذا لم يحفظ أمانته في غيبته؟ {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}[5].

هنا وعندما شاهد هارون غضب أخيه بشدّة, فقال له كي يلاطفه ويُخفّف عنه ويعتذر إليه ويُهدّأ من روعه: يا ابن أمّي لقد خشيت إن صددتهم أن أتشاجر معهم ويفترق بنو إسرائيل ويختلفون فيما بينهم {وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ: ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي، فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}[6].

{قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي، إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}[7].

فدعا موسى لهارون وطلب له المغفرة{قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}[8].

بعد ذلك ذهب موسى إلى السامري الذي كان السبب في تضليل وانحراف قومه, وعاتبه بشدّه ووبخه, فقال السامري لموسى (ع): لقد آمنت بك في بادئ الأمر ثم راودني الشك في ذلك وعكفت بعدها على عبادة الصنم وكان هذا أصلح في نطري! {قَالَ: فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ؟؛ قَالَ: بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا، وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي؛ قَالَ: فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ، وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ، وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا}[9].

[1]  سورة طه: الآية 88.

[2]  سورة طه: الآية 90 – 91.

[3]  سورة طه: الآية 83 – 85.

[4]  سورة طه: الآية 86 – 87.

[5]  سورة الأعراف: الآية 142.

[6]  سورة الأعراف: الآية 150.

[7]  سورة طه: الآية 94.

[8]  سورة الأعراف: الآية 151.

[9]  سورة طه: الآية 95 – 97.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment