صلاة الجمعة

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

 

 

الأنبياء في القرآن (75)

موسی (16)

 

موسى والخضر

لم يذكر القرآن اسم الخضر ولكن وبالرجوع إلى العديد من الروايات نجد أنّ المقصود من الرجل العالم الذي رافق موسى (ع) هو الخضر {عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا}[1].

وهنا عندما سافر موسى (ع) مع يوشع بن نون وتواعدا بملاقاة ذلك الشخص طلب منه موسى أن يرافقه ويستفيد من علمه ومعرفته {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا؛ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا}[2].

وفي البداية رفض الخضر طلب موسى (ع), لأنّه كان يرى أنّ موسى لن يقدر على تحمّل أسرار وحقائق أفعاله ولن يسكت عنها وسيعترض عليها. فوعده موسى (ع) بأنّه {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا}[3].

 

قصة السفينة

التقى موسى مع الخضر عند ساحل البحر. وكانت توجد سفينة تبحر على مقربة منهما فطلبا من صاحب السفينة أن يركبا معه وقبل بذلك وبعدما أبحرت السفينة عمد الخضر إلى خرف جدار السفينة ثم رمم الصدع بالطين والأقمشة حتى لا يدخل الماء إلى السفينة. وهنا عندما شاهد موسى (ع) هذا الامر غضب كثيرا لأنّ الخضر قد تسبّب بالضرر لصاحب السفينة وعرّض حياة المسافرين للخطر. فاعترض عليه وقال له {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا}[4].

 

قتل الغلام

أكمل الخضر مسيره بعد الترجل من السفينة وحصل أن التقى بغلام يلعب رفيقه, فاقترب الخضر منه وأبعده عن رفيقه وقتله. وهنا لم يتجمل موسى ما شاهدته عيناه فاعترض على الخضر بشدّة وقال له {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا}[5].

فأجابه الخضر ألم أقل لك لن تقدر على التحمّل والصبر معي, فاعتذر موسى من جديد ووعده بأنّه لن يعترض عليه من جديد وإذا قام بالاعتراض فلن يُرافق الخضر بعدها.

ترميم الجدار المتهالك

بعد ذلك أكمل الخضر وموسى (ع) طريقهما حتّى وصلا إلى قرية. ونال منهما التعب والجوع بعدما. فدخلا إلى القرية وطلبا من أهل القرية أن يُطعماهما, ولكن امتنع أهل القرية عن ذلك, وطرداهما بشكلٍ غير لائق وأثناء عودتهما شاهدا جدارا متهاوياً على وشك السقوط فقام الخضر بإصلاحه وبنائه من جديد. وهنا لم يصبر موسى (ع) وقال للخضر هل هذا جزاء من أساء معاملتنا بأن أقدمت على بناء الجدار لهم بعدما طردونا من القرية؟ كان بإمكانك أن تطلب مقابلا منهم جزاء ما فعلته لهم. فقال له الخضر {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا}[6].

وهكذا وبعد كل ما جرى لم يتكلم موسى (ع) بشيء وأجرك أنّه لن يتمكن من مرافقة الخضر بعد ذلك, ولن يقوى على التحمل والصبر على أفعاله وأعماله العجيبة والغريبة. ولكن قبل أن يترك موسى الخضر وينفصل عنه, أوضح له الخضر سرّ ما حصل معه في هذه المواقف الثلاثة

{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا}[7].

{وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا؛ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا}[8].

{وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ}[9].

من الـأمور المفيدة التي يمكن تعلّمها من هذه القصة مسألة الأدب في الكلام مع الله سبحانه وتعالى, فنشاهد أنّ الخضر العالم يؤكد {بقوله مَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} ولم ينسب هذا الفعل له.

ومع أنّ الهدف من هذه الأعمال الثلاثة محموداً وجيدا إلّا أنّه نسب لله سبحانه وتعالى العمل الذي كان ظاهره حسنا وجيداً (بناء الجدار), أما العمل الذي كان ظاهره سيئاً فنسبه إليه ولشخصه (خرق السفينة), وأما العمل الذي اشتمل على الحسن والقبح قام بنسبته لشخصه ولله (قتل الغلام).

[1]  سورة الكهف, الآية 65.

[2]  سورة الكهف, الآية 65 – 66.

[3]  سورة الكهف, الآية 69.

[4]  سورة الكهف, الآية 71.

[5]  سورة الكهف, الآية 74.

[6]  سورة الكهف, الآية 78.

[7]  سورة الكهف, الآية 79.

[8]  سورة الكهف, الآية 80 – 81.

[9]  سورة الكهف, الآية 82.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment