صلاة الجمعة

     خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

 

 

الأنبياء في القرآن (79)

 

داوود (2)

انتصار النبي داوود في المعركة وتوليه السلطة

لقد بدأت قصة النبي داوود في القرآن الكريم عندما وردت قصة الحرب مع طاولت وجالوت ودور النبي داوود فيها وما حققه. وبالرجوع إلى هذه القصة نرى وباختصار ومن دون الدخول في التفاصيل أنّ بني إسرائيل رجعوا إلى نبي ذلك الزمان الذي كان اسنه سموئيل وطلبوا منه تعيين قائد للقتال والحرب. فرفض سموئيل طلبهم في البداية لمعرفته ببني إسرائيل وعدم شجاعتهم على القتال والحرب {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى، إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا! قَالُوا: وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا؟…}[1].

وذكر القرآن أيضاً اقتراح سموئيل عندما قال {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ}[2]

وهكذا وبعد إصرار بني إسرائيل عيّن النبي المرسل من عند الله في ذلك الزمان طالوت ملكاً كي يقاتل الفلسطينين. فاعترض بنو إسرائيل على اختيار طالوت لأنّ طالوت كان فقيرا, وكان يخال لهم أنّ القائد يجب أن يكون أعنى ومتمكنّاً أكثر من باقي الأشخاص. وعليه بيّن النبي خطأ هذا التصور الخاطئ عندهم:

أولا: لا بدّ من تحقّق أمرين لقيادة الحرب حتّى ينتصر القائد: القوة الفكرية والقوة الجسدية.

ثانيا: لقد اختار الله طالوت, والدليل على ذلك أنّ التابوت المقدس كان عنده.

{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا. قَالُوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ. قَالَ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ؛ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}[3].

وهنا لم يكن أمام بني إسرائيل سوى قبول طالوت قائداً عليهم, وتحركوا معه لفتح أورشليم. وبعد مسيرهم وصلوا إلى نهر. وكانوا عطاشى. فأراد الله أن يمتحنهم. وبالأخص من كانوا يرون أنفسهم شعب الله المختار. فقال لهم طالوت لا تشربوا من الماء مع أنّكم عطاشى وعدم شرب الماء هو امتحان من عند الله لمعرفة مدى طاعتكم لأوامر الله. فسمع له عدد قليل من الجيش ولم يشربوا من الماء ونجحوا في هذا الاخبار الإلهي, لكنّ غالبية الجيش شربوا من الماء وخسروا في هذا الامتحان{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ، فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ}[4]

وهكذا وبعد عبور النهر الذي كان امتحانا إلهيا, ظهر العجز على غالبية الجنود الذين عصوا أمر طالوت في مقاومتهم لجيش جالوت وجنوده. بينما تمكنت القلة التي سمعت له وأطاعته من الثبات والتوكل على الله من تحقيق النصر ولم تأبه لكثرة العدد والتفوق في الإمكانات, وحصل هذا الأمر في التاريخ كثيراً بأن تفوقّ جمع قليل على الجمع الكثير بأمر الله وانتصروا على الأعداء{فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}[5].

وعندما برز طالوت مع بني إسرائيل لجالوت وجنوده, تمكّنت هذه الفئة المؤمنة من عبور النهر ومع التوكل على الله والإيمان به انتصروا على العدو {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}[6].  

وعليه انتصر طالوت في هذه الحرب بإذن الله ونجحت قيادته لبني إسرائيل. وهنا وبسبب شجاعته وتميزه بدأ عهد نبوة داوود {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ}[7].

 

[1]  ﴿بقره:246)

[2]  (بقره:246)»

[3]  ﴿بقره:247-248)

[4]  (بقره:249)

[5]  ﴿بقره:249)

[6]  ﴿بقره:250)

[7]  ﴿بقره:251)

 

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment