صلاة الجمعة

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

الأنبياء في القرآن (80)

داوود 3

 

تعليم القضاء بالعدل لداوود, امتحان من الله

القصة الثانية التي ينقلها القرآن الكريم عن داوود حول السلطة تتعلّق بالقضاء خصمين {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ؛ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ، قَالُوا: لَا تَخَفْ! خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ، وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ}[1].

ترجع هذه القصة إلى زمان حكومة داوود. وهو الوقت الذي كان يوجد فيه حول حرّاس وجنود حول مركز ومقر السلطة. وفي هذا الوقت كان يأتي المتخاصمان كما ينقل القرآن الكريم إلى مقر السلطة كي يتحاكما, وعلى حين غرّة صعدا سور القصر ودخلا إلى داوود ووقفا أمامه من دون أن يستأذناه ويخبراه مسبقا بمجيئه. وعليه استوحش داوود منهما وظنّ أنّهما يريدان الإساءة إليه.

ويذهب بعض المفسرين إلى أنّهما ملكين مرسلين من عند الله لتعليم داوود القضاء, وجاءا إليه لتعليمه القضاء بالعدل امتثالا لأمر الله سبحانه وتعالى.

بعد ذلك طلبا منه أن يقضي بينهما ويحل النزاع الحاصل. ثم شرح أحدهما سبب المشكلة الواقعة بينهما{إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ}[2].

سمع داوود ما قاله الشخص المدّعي وحكم بينهما {قَالَ: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ...}[3].

وهنا التفت داوود إلى أنّ كل ما يجري أمامه كان لأجل امتحانه ولم ينجح في هذا الامتحام لذلك خرّ ساجداً واستغفر الله سبحانه وتعالى{وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ، فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ}.

 

 

 

 

خطيئة داوود بناء لروايات الكتاب المقدس والقرآن الكريم

ما هي الخطيئة التي جاء بها داوود؟ ولماذا استغفر الله؟ يذكر الكتاب المقدس أنّ داوود قد ارتكب خطيئة بينما يؤكد مفسرّو القرآن على وجود خطيئة أخرى.

جاء في الكتاب المقدس أنّ داوود شاهد امرأة جميلة وتعلّق قلبه بها, وسأل عنها فأجابوه ” اسمها بتشبع, ابتة اليعام, زوجة اورياى حيتّى”[4]. فأرسل داوود اوريايى حيتّى كي يحارب أعمامه وكتب إلى أيوب قائد العسكر رسالة وأرسلها مع أوريا: ” اجعل أوريا في مقدمة الجيش وإذا أصيب اتركه حتة يموت”[5].

وبالفعل ذهب أوريا حيتى إلى الحرب وقتل فيها, وعندما وصل خبر مقتل أوريا لزوجته أقامت العزاء عليه. وبعد انتهاء العزاء أرسل داوود وراءها وتزوّجها وأنجبت له ولدا”[6].

وجاء في الكتاب المقدس أن خطيئة داوود كانت عندما قال الله له: “فقال ناثان لداود: أنت هو الرجل هكذا قال الرب إله إسرائيل: أنا مسحتك ملكا على إسرائيل وأنقذتك من يد شاول, وأعطيتك بيت سيدك ونساء سيدك في حضنك، وأعطيتك بيت إسرائيل ويهوذا. وإن كان ذلك قليلا، كنت أزيد لك كذا وكذا, لماذا احتقرت كلام الرب لتعمل الشر في عينيه ؟ قد قتلت أوريا الحثي بالسيف، وأخذت امرأته لك امرأة، وإياه قتلت بسيف بني عمون, والآن لا يفارق السيف بيتك إلى الأبد، لأنك احتقرتني وأخذت امرأة أوريا الحثي لتكون لك امرأة, هكذا قال الرب, هأنذا أقيم عليك الشر من بيتك، وآخذ نساءك أمام عينيك وأعطيهن لقريبك، فيضطجع مع نسائك في عين هذه الشمس, لأنك أنت فعلت بالسر وأنا أفعل هذا الأمر قدام جميع إسرائيل وقدام الشمس, فقال داود لناثان: قد أخطأت إلى الرب. فقال ناثان لداود: الرب أيضا قد نقل عنك خطيتك. لا تموت[7].

بينما ي ذكر مفسرو القرآن الكريم أنّ داوود قد حكم بين الشخصين دون أن يسمع منهما, واكتفى بالسماع من طرف واحد, وحكم على هذا الأساس, وقضى بينهما وكان بإمكانه أن يسمع من الطرف الآخر ويفهم ما ال1ي حصل ثم يقضي بينهما”.

بناء على ما تقدم أيّ احتمال يمكن الأخذ به حول خطئية داوود؟

ونرجّح ما ذهب إليه مفسرو القرآن عن خطيئة داوود ونرفض ما جاء في الكتاب المقدس. لأنّه:

أوّلاً: يتنافى كلام الكتاب المقدس مع عصمة الأنبياء الإلهيين. فالنبي المعصوم لا ينظر بشهوة إلى امرأة متزوجة. ولا يذهب إلى قتل الزوج كي يتزوجها.

ثانياً: يقول القرآن الكريم في الآية التالية: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَاب}.

وبالرجوع إلى هذه الآية نرى أنّ خطأ داوود كان في مجال القضاء والحكم بين الناس, وأمره الله بالدقة والاطّلاع أكثر قبل الحكم على الناس والقضاء بالعدل بينهما.

 

[1]  سورة ص:۲۱-22.

[2]  سورة ص:۲۳.

[3]  سورة ص:۲۴.

[4]  الکتاب مقدس، 2سموئیل11: 3.

[5]  الکتاب مقدس، 2سموئیل11: 14-15.

[6]  الکتاب مقدس، 2سموئیل11: 26-27.

 

[7]  الکتاب المقدس، 2سموئیل12: 7-10.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment