صلاة الجمعة

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

 

النبي سليمان والهدهد

من الأحداث اللطيفة التي تشتمل على دروس وعبر من سيرة وحياة النبي سليمان في القرآن الكريم ما حصل بينه و بين الهدهد. يقول القرآن الكريم{وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ: مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ؟ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ}[1].

وبالرجوع إلى هذه الآيات نجد أنّ النبي سليمان افتقد الهدهد وأخذ يبحث عنه, ويدل هذا الأمر على أنّ الهدهد كان من مساعدي النبي سليمان وكان يستعين به, ومن المحتمل أنّ له مسؤولية خاصة. ومن الواضح أنّ النبي سليمان كان يراقب أحوال مملكته بدقّة وكان مسيطراً على سلوك عماله بشكلٍ كامل.

  1. وعندما افتقد سليمان الهدهد ولم يره, صمّم على تعذيبه لتغيّبه عن عمله وعدم اكتراثه للمسؤولية الملقاة على عاتقه {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا، أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ، أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ}[2].

وهكذا توعد النبي سليمان الهدهد بعقوبة كبيرة, وأبلغ جميع من كان حوله وذكّرهم بلزوم مراقبتهم لأعمالهم والالتزام بالقوانين والقرارات التي يصدرها, فلا يخال لهم أن يخالفوا القوانين ويتراخوا بتنفيذ مسؤولياتهم بسبب قربهم من الحاكم, وبالتالي يتحرروا من التزاماتهم الاجتماعية تجاه السلطة.

لقد كان بإمكان سليمان أن ينتظر الهدهد حتى يرجع ويسأله عن سبب غيبته ويعاقبه إذا كان يستحق العقوبة, لكن لم يفعل ذلك حتّى يعلّم الآخرين هذه الأمور ويلفت انتباههم إليها.

ومن الدروس الأخرى في هذه القصة عدالة سليمان في القضاء بالنسبة إلى غيبة الهدهد. فقد علّق النبي سليمان عقوبة الهدهد على هذا الأمر{أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} وهكذا يكون قد ترك أمامه مجالاً كي يدافع عن نفسه ويبرّر سبب غيبته.

إنّ تأكيد النبي سليمان على إتيان الهدهد بدليل وتبرير واضح كي يتجاوز عن معاقبته يُظهر الفارق في معاملته التي يفترق بها عن سائر الناس وهي عدم وقوعه في شراك العصبية.

يقول النبي الأكرم (ص) العصبية رذيلة تخرج صاحبها من الدين: “ مَنْ تَعَصَّبَ أَوْ تُعُصِّبَ لَهُ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَ الْإِيمَانِ مِنْ عُنُقِهِ[3] و یقول: ” مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ حَبَّةٌ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ عَصَبِيَّةٍ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ أَعْرَابِ الْجَاهِلِيَّةِ”[4] ويقول الإمام السجاد (ع) عن هذه الرذيلة: “الْعَصَبِيَّةُ الَّتِي يَأْثَمُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا أَنْ يَرَى الرَّجُلُ شِرَارَ قَوْمِهِ خَيْراً مِنْ خِيَارِ قَوْمٍ آخَرِينَ[5].

 

 

 

وتؤكد هذه الآية بوضوح على عدم توقع الحاكم من الناس أن يطيعوه بشكلٍ مطلق. ولأجل هذا أعطى النبي سليمان الهدهد هذا الحق كي يبرّر غيبته. يقول القرآن الكريم عن الأنبياء الإلهيين{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ}[6].

التعبّد يأتي بمعنى الإطاعة المطلقة العمياء. وتأتي العبادة والعبودية عندما يضع العبد إرادته واختياره تحت سلطة المعبود ولا يخرج عن دائرة إرادته ويأتي بما يغضبه ويرضيه.

إنّ الآية المذكورة ترجع إلى أنبياء أولي العزم الذين يحملون كتاباً وشريعة إلهية, ويأتمرون بما يريده الله منهم لهداية أقوامهم.

وقد نهت هذه الآية وغيرها من آيات القرآن الكريم عن عبودية الناس بمعنى الإطاعة المطلقة من دون قيد أو شرط, فلا يرضى الله بالطاعة العمياء.

ويؤكد القرآن والإسلام على وجوب إطاعة الأنبياء والأئمة ومراجع التقليد بناءً للعلم والمعرفة, فالإنسان الذي يختار مرجع التقليد لا بد وأن يكون مطلعا على الطريق الصحيح, وعلى الناس أن يعرفوا الإنسان الذي تكون إطاعته واجبة كي يتّبعون, فلا تكون تبعيتهم وإطاعتهم له خارجة عن طاعة الله سبحانه وتعالى.

 

[1]  ﴿نمل:۲۰﴾

[2]  ﴿نمل:۲۱﴾

[3]  الكافي؛ ج2، ص308

[4]  الجعفريات – الأشعثيات؛ ص163

[5]  الكافي؛ ج2، ص309

[6]  (آل عمران:۷۹)»

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment