صلاة الجمعة

اَلْحَمْدُ لِلّهِ بِجَمِیعِ مَحَامِدِه کُلِّهَا عَلَی جَمِیعِ نِعَمِهِ کُلِّهَا… اَلْحَمْدُ لِلّهِ مالِکِ الْمُلْکِ مُجْرِی الْفُلْکِ مُسَخِّرِ الرِّیاحِ فالِقِ الاْصْباحِ دَیّانِ الدّینِ رَبِّ الْعَالَمینَ اَلْحَمْدُ لِلّهِ عَلی حِلْمِهِ بَعْدَ عِلمِهِ وَالْحَمْدُ لِلّهِ عَلی عَفْوِهِ بَعْدَ قُدْرَتِهِ وَالْحَمْدُ لِلّهِ عَلی طُولِ اَناتِهِ فی غَضَبِهِ وَهُوَ قادِرٌ عَلی ما یُریدُ

و نشهد أن لا اله الا الله وحده لا شریک له، و أَنَّ محمداً عبده و رسوله ارسله بالهدی و دین الحق لیظهره علی الدین کله و لو کره المشرکون

اوصیکم عبادالله و نفسی بتقوی الله و اتباع امره و نهیه، و اخوفکم من عقابه

الأنبياء في القرآن (84)
سليمان (4)

 

تحدّث الملكة سبأ مع مستشاريها عن رسالة النبي سليمان

يذكر القرآن الكريم أنّ الملكة سبأ قد تحدّثت مع مستشاريها عن الرسالة التي أرسلها النبي سليمان. فأجابوها: لا ينبغي أن نخاف من سليمان, فلدينا جيش قوي وسننتصر حتماً عليه, ويبقى القرار الأخير لك فانظري ما تفعلين{قَالُوا: نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ، وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ، فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ}[1].

لقد كانت الملكة سبأ إمرأة واعية وعالمة ولم تكن ترغب بخوض حرب مع النبي سليمان. وكانت تفكر فيما سيحصل لمملكتها لو خسرت الحرب معه. إنّ الجملة التي ينقلها القرآن الكريم عن بلقيس ويؤيدها سكوته، فيها الكثير من العبر {قَالَتْ: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}[2].

 

 

فساد السلطة

تتحدّث هذه الآية عن الفساد الحاصل من تسلّط الحكّام على الأراضي المختلفة, ويوجد إطلاقان فيها: الإطلاق الأول في مفردة (ملوك) والإطلاق الثاني في مفردة (قرية). وبعبارة أخرى الفساد المذكور في هذه الآية ينطبق على حكم وسلطة أيّ حاكمٍ في أيّ أرض. أي أنّ السلطة ما لم يتمّ ضبطها من الحاكم سيعم الفساد أينما كانت.

وينقل المفسّرون رأيان حول ذيل الآية {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}. فيذهب البعض إلى أنّ هذه العبارة تكملة لكلام الملكة سبأ ويؤكد ما ذهبت إليه, ويرى البعض الآخر أنّ هذا كلام الله سبحانه وتعالى حيث يؤیّد على ما ذكرته الملكة سبأ. والأساس في كلا الرأيين رضى الله سبحانه وتعالى به.

ويُفهم من آيات قرآنية أخرى أنّ فساد السلطة لا ينحصر في حالة نفوذ السلطة وقوتها, بل إنّ أيّ نحوٍ من السلطة سيفسد ما لم تتمّ السيطرة عليه. يقول القرآن الكريم {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى؛ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}[3].

وتُدلّل هذه الآية على أمرٍ أخلاقي مشترك بين جميع الناس. فالإنسان بطبيعته يطغى ويظلم عندما يرى نفسه مستقلاً ومستغنيا لا يحتاج لأحد.

ونستفيد من إطلاق مفردة (الإنسان) في هذه الآية أنّها تشمل جميع الناس, كما ويشمل إطلاق لفظ (استغناء) كلّ من كان مستغنياً. أيّ أنّ كلّ إنسان يخال نفسه مستغنياً ولا يحتاج للآخرين سيطغى أينما كان وفي أيّ مجال كان يعمل.

ويؤكد أمير المؤمنين (ع) أنّ من يرى نفسه مطاعاً في أوامره وأحكامه من الآخرين ويُعمل بها سيقع لا ريب في مهلكة فساد العمل “لَا تَقُولَنَّ إِنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ فَإِنَّ ذَلِكَ إِدْغَالٌ فِي الْقَلْبِ وَ مَنْهَكَةٌ لِلدِّينِ وَ تَقَرُّبٌ مِنَ الْغِيَر”[4].

وهكذا يُصبح هذا الكلام بعمومه شاملاً لكلّ صاحب نفوذ وسلطة. كما أنّ كلام أمير المؤمنين (ع) يدل على أنّ فساد القلب والبعد عن الدين هو نتيجة قهرية للقوة, ونفس أنّ أوامر الإنسان تُطاع من دون أيّ قيد أو شرط ستجعله عرضة للعجب والغرور في الدنيا والآخرة. ولا يستثني هذا العموم أحداً من الوقوع والابتلاء في هذه الآفة.

وعليه يجب على كلّ شخصٍ صاحب سلطة ونفوذ في أيّ مجال أن يضبط نفسه ويُهدأ من روعه كي لا يبتلي بآفة السلطة التي هي نفسها الفساد. ويجب أن تكون هذه السيطرة والضبط من داخل الإنسان التي يُعبّر عنها بالتقوى, وينبغي أن يكون هناك سيطرة من الخارج أيضاً, لأنّ الإنسان يخدع نفسه في الكثير من الموارد.

 

جواب الملكة سبأ للمستشارين

وهنا أمرت الملكة سبأ بتجهيز هدايا ثمينة وقيمة كي ترسلها للنبي سليمان وترى إن كان يريد السيطرة على ثروة وملك أرض سبأ؟ أو لديه هدف آخر؟

وينقل القرآن هذا الأمر عندما يقول {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ، فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ}[5].

 

[1]  سورة النمل: الآية 33.

[2]  سورة النمل: الآية 34.

[3]  سورة العلق: الآية 6 – 7.

[4]  نهج البلاغه.

[5]  سورة النمل: الآية 35.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment