صلاة الجمعة

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

الأنبياء في القرآن (86)

سليمان (6)

 

شخصية النبي سليمان في القرآن والعهدين

يوجد إشكال عام في العهدين حول ما هو موجود عن سيرة الأنبياء وهو أنّ ما ورد في الكتاب المقدس لا يجسّد الشخصية الإلهية والمعصومة للأنبياء, فلا نرى أحداً منهم قد سلم من الكفر والشرك والمعصية.

وبالرجوع إلى سيرة النبي سليمان ترى أنّه قد ذُكر اسمه في عدّة مواضع من الكتاب المقدس ولا ينسجم ما ذُكر مع الشخصية الإلهية لهذا النبي الإلهي العظيم. فقد ورد في الكتاب المقدس أنّ النبي سليمان قد عصى الله في آخر عمره وراح يعبد الأصنام وخرج من الدنيا كافرا:

 

وَأَحَبَّ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ نِسَاءً غَرِيبَةً كَثِيرَةً مَعَ بِنْتِ فِرْعَوْنَ: مُوآبِيَّاتٍ وَعَمُّونِيَّاتٍ وَأَدُومِيَّاتٍ وَصِيدُونِيَّاتٍ وَحِثِّيَّاتٍ, مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ قَالَ عَنْهُمُ الرَّبُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: «لاَ تَدْخُلُونَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ لاَ يَدْخُلُونَ إِلَيْكُمْ، لأَنَّهُمْ يُمِيلُونَ قُلُوبَكُمْ وَرَاءَ آلِهَتِهِمْ». فَالْتَصَقَ سُلَيْمَانُ بِهؤُلاَءِ بِالْمَحَبَّةِ. وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مِئَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ، وَثَلاَثُ مِئَةٍ مِنَ السَّرَارِيِّ، فَأَمَالَتْ نِسَاؤُهُ قَلْبَهُ.”وأحب الملك سليمان نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون موآبيَّات وعمونيَّات وآدوميَّات وصيدونيَّات وحثيَّات”. وَكَانَ فِي زَمَانِ شَيْخُوخَةِ سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلًا مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ كَقَلْبِ دَاوُدَ أَبِيهِ. “وكان في زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملًا مع الرب إلهه كقلب داود أبيه. فَذَهَبَ سُلَيْمَانُ وَرَاءَ عَشْتُورَثَ إِلهَةِ الصِّيدُونِيِّينَ، وَمَلْكُومَ رِجْسِ الْعَمُّونِيِّينَ. وَعَمِلَ سُلَيْمَانُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَلَمْ يَتْبَعِ الرَّبَّ تَمَامًا كَدَاوُدَ أَبِيهِ. حِينَئِذٍ بَنَى سُلَيْمَانُ مُرْتَفَعَةً لِكَمُوشَ رِجْسِ الْمُوآبِيِّينَ عَلَى الْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَ أُورُشَلِيمَ، وَلِمُولَكَ رِجْسِ بَنِي عَمُّونَ. وَهكَذَا فَعَلَ لِجَمِيعِ نِسَائِهِ الْغَرِيبَاتِ اللَّوَاتِي كُنَّ يُوقِدْنَ وَيَذْبَحْنَ لآلِهَتِهِنَّ. فَغَضِبَ الرَّبُّ عَلَى سُلَيْمَانَ لأَنَّ قَلْبَهُ مَالَ عَنِ الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ الَّذِي تَرَاءَى لَهُ مَرَّتَيْنِ، وَأَوْصَاهُ فِي هذَا الأَمْرِ أَنْ لاَ يَتَّبعَ آلِهَةً أُخْرَى، فَلَمْ يَحْفَظْ مَا أَوْصَى بِهِ الرَّبُّ. فَقَالَ الرَّبُّ لِسُلَيْمَانَ: «مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذلِكَ عِنْدَكَ، وَلَمْ تَحْفَظْ عَهْدِي وَفَرَائِضِيَ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ بِهَا، فَإِنِّي أُمَزِّقُ الْمَمْلَكَةَ عَنْكَ تَمْزِيقًا وَأُعْطِيهَا لِعَبْدِكَ. إِلاَّ إِنِّي لاَ أَفْعَلُ ذلِكَ فِي أَيَّامِكَ، مِنْ أَجْلِ دَاوُدَ أَبِيكَ، بَلْ مِنْ يَدِ ابْنِكَ أُمَزِّقُهَا. عَلَى أَنِّي لاَ أُمَزِّقُ مِنْكَ الْمَمْلَكَةَ كُلَّهَا، بَلْ أُعْطِي سِبْطًا وَاحِدًا لابْنِكَ، لأَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِي، وَلأَجْلِ أُورُشَلِيمَ الَّتِي اخْتَرْتُهَا»[1].

وقد تكرّر أيضاً هذا الاتهام بالكفر والعصيان للنبي سليمان في مقاطع أخرى من الكتاب المقدس: «أَلَيْسَ مِنْ أَجْلِ هؤُلاَءِ أَخْطَأَ سُلَيْمَانُ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يَكُنْ فِي الأُمَمِ الْكَثِيرَةِ مَلِكٌ مِثْلُهُ؟ وَكَانَ مَحْبُوبًا إِلَى إِلهِهِ، فَجَعَلَهُ اللهُ مَلِكًا علَى كُلِّ إِسْرَائِيلَ. هُوَ أَيْضًا جَعَلَتْهُ النِّسَاءُ الأَجْنَبِيَّاتُ يُخْطِئُ.!»[2].

بينما نجد في المقابل أنّ القرآن الكريم قد أكدّ على عصمة وطهارة جميع الأنبياء الإلهيين وقال بما لا لبس فيه حول اتهام سليمان بالكفر وعصيان الأوامر الإلهية {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ، وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا}[3].

 

موت النبي سليمان

 

ينقل مولانا قصة عن هرب شخص لجأ إلى النبي سليمان هرباً من ملك الموت وطلب منه المساعدة, فهذه القصة مع إمکان کونها غير صحيحة إلاّ أنّها تؤيد ما جاء في القرآن الكريم {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ}[4].

لقد كان موت النبي سليمان من هذا القبيل. يقول أمير المؤمنين (ع): “فَلَوْ اَنّ اَحَداً یجِدُ اِلَی الْبَقاءِ سُلَّماً، اَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِیلاً، لَکانَ ذلِکَ سُلَیمانَ بنِ داوُدَ، اَلَّذِی سُخِّرَ لَهُ مُلْکُ الْجِنِّ وَ الْاِنْسِ مَعَ النُّبُوَّه وَ عَظِیمِ الزُّلْفَه، فَلَمّا اسْتَوْفی طُعْمَتَهُ وَ اسْتَکْمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتْهُ قِسِی الْفَناءِ بِنِبالِ الْمَوْتِ”[5].

رجع سليمان إلى محل عبادته ومحرابه وتوفي أثناء وقوفه متكئاً على عصاه. لقد بقي واقفا على هذه الحالة فترة طويلة وكان يخال للجميع أنّه على قيد الحياة ينظر إليهم وهم يعملون. ولم يجرأ أحد على التوقف والخروج من هيبة سليمان. وفي النهاية جاء النمل ونخر العصى فانكسرت ووقع سليمان على الأرض وأدرك الجميع حينها أنّ سليمان قد فارق الحياة. یقول القرآن الکریم:

{فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ }[6].

 

[1]   سفر الملوك الأول 11: 1-12.

 

[2]  سفر نحمیا 13:26.

[3]  سورة البقره: الآية 102.

[4]  سورة النساء: الآية 78.

[5]  نهج البلاغه، الخطبة 182.

[6]  سورة السباء: الآية 14.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment