صلاة الجمعة

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

الأنبياء في القرآن (87)

یونس (1)

شخصية النبي يونس في القرآن الكريم

يذكر القرآن الكريم اسم النبي يونس ويعدّه من بين الأنبياء الكبار في التاريخ. ويقول عنه {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}[1]. ونرى أيضاً في موضعين آخرين من القرآن الكريم اسم النبي يونس قد ذُكر بين الأنبياء العظام {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ… وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ؛ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ؛ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ}[2].

{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا}[3].

لكنّ القرآن لم يتعرّض لمكان تبليغ رسالة النبي يونس والقوم الذين أُرسل إليهم بينما يؤكد الكتاب المقدس على أنّ النبي يونس قد بلّغ رسالته في مدينة نينوى.

 

سیرة النبي یونس في القرآن والعهدين

لقد بدأت قصة النبي يونس في القرآن الكريم والكتاب المقدس عندما خرج من مدينته وابتعد عن قومه. وكان سبب خروجه عدم استجابة قومه لدعوتهم إلى التوحيد وعبادة الله بالإضافة إلى الأذى والظلم الذي لحقه من أعدائه. وهنا نجد أنّ الكتاب المقدس يؤكد على أنّ هذا الخروج كان في أول مرحلة وفترة لتبليغ الرسالة: “أن یوناس نبيا كلفه الله بالذهاب إلى نينوى، والمناداة بهلاكها وكانت نينوى عاصمة كبيرة فيها آلاف من البشر ولكنها كانت أممية وجاهلة وخاطئة جدا وتستحق الهلاك فعلا”, ولكن یوناس أخذ يفكر فى الموضوع: سأنادى على المدينة بالهلاك ثم تتوب ويتراءف الله عليها فلا تهلك ثم تسقط كلمتى ويكون الله قد ضيع كرامتى على مذبح رحمته ومغفرته”[4].

ونلاحظ أنّ الكتاب المقدس لم يوضح سبب عدم ذهاب يونس إلى مدينة نينوى؟ ولكن بالرجوع إلى الآية القرآنية التي تصف حال خروج يونس حيث تقول {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا}[5] يتّضح أنّ سبب خروجه كان بسبب ما تعرّض له من أذى وظلم من المشركين والكفّار في مدينته, فلم يعد قادراً على تحمّل المزيد وضاق صدره منهم, فخرج غاضباً من المدينة. ونلاحظ هنا أنّ القرآن الكريم ذكر خروج يونس غاضباً من المدينة فقط بينما نجد تفاصيل أكثر في الكتاب المقدس: “هرب یوناس إلي ترشيش، ونسي أن الله موجود في ترشيش أيضا. وركب السفينة وهو يعلم أن الله هو إله البحر، كما أنه إله البر أيضا. ولم يشأ الله أن يصل یوناس إلي ترشيش، وإنما أمسكه في البحر، وهيج الأمواج عليه وعلى السفينة كلها… نام یوناس، لم يهتم بمشيئة الله وأمره، ولم يهتم بنينوى وهلاكها أو خلاصها، ولم يهتم بأهل السفينة وما تجره عليهم خطيئته… وهكذا أمر الله الرياح، فهاج البحر، وهاجت أمواجه، وصدمت السفينة حتى كادت تنقلب. وازداد هيجان البحر، لأن أمر الرب كان لابد أن ينفذ وبكل سرعة، وبكل دقة. وتصرف ركاب السفينة بحكمة وحرص شديدين… وبذلوا كل جهدهم الفني، وصلوا كل واحد إلى إلهه وألقوا قرعا ليعرفوا بسبب من كانت تلك البلية، فأصابت القرعة یوناس[6]….

من الأمور المهمة التي وردت في القرآن الكريم مسألة الحالة النفسية التي كان عليها النبي يونس عندما خرج غاضباً, وهي السبب في جميع الأحداث التي جاءت بعد ذلك. يقول القرآن الكريم {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}[7]. إنّ حسن ظنّ یونس بالله سبحانه و تعالی کان سبب نجاته، کما أنّ عدم إحسان الظن بالله توصل الإنسان للوقوع في مشاكل ومتاعب بشكلٍ دائم، کما ورد في الحدیث القدسی: {أنا عند ظنّ عبدي بي، إن ظنّ بي خیرًا فله، و إن ظنّ شرًا فله}

وبالرجوع إلى قصة النبي يونس نجد أنّ القرآن قد ذكر مسألة إجراء القرعة ووقعوعها على يونس كما ورد في الكتاب المقدس {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ؛ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ؛ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ}[8], مع ملاحظة هذا الاختلاف وهو أنّ القرعة لم تقع على يونس وحده بناءً لما ورد في القرآن {فكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ}، بينما يؤكد الكتاب المقدس أنّ القرعة وقعت فقط باسم يونس وأُلقي في البحر:

“فَقَالُوا لَهُ: «أَخْبِرْنَا بِسَبَبِ مَنْ هذِهِ الْمُصِيبَةُ عَلَيْنَا؟ مَا هُوَ عَمَلُكَ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَتَيْتَ؟ مَا هِيَ أَرْضُكَ؟ وَمِنْ أَيِّ شَعْبٍ أَنْتَ؟»”

“فَقَالَ لَهُمْ: «أَنَا عِبْرَانِيٌّ، وَأَنَا خَائِفٌ مِنَ الرَّبِّ إِلهِ السَّمَاءِ الَّذِي صَنَعَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ».”

“فَخَافَ الرِّجَالُ خَوْفًا عَظِيمًا، وَقَالُوا لَهُ: «لِمَاذَا فَعَلْتَ هذَا؟» فَإِنَّ الرِّجَالَ عَرَفُوا أَنَّهُ هَارِبٌ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ، لأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ.”

“فَقَالُوا لَهُ: «مَاذَا نَصْنَعُ بِكَ لِيَسْكُنَ الْبَحْرُ عَنَّا؟» لأَنَّ الْبَحْرَ كَانَ يَزْدَادُ اضْطِرَابًا.”

“فَقَالَ لَهُمْ: «خُذُونِي وَاطْرَحُونِي فِي الْبَحْرِ فَيَسْكُنَ الْبَحْرُ عَنْكُمْ، لأَنَّنِي عَالِمٌ أَنَّهُ بِسَبَبِي هذَا النَّوْءُ الْعَظِيمُ عَلَيْكُمْ».”

“وَلكِنَّ الرِّجَالَ جَذَفُوا لِيُرَجِّعُوا السَّفِينَةَ إِلَى الْبَرِّ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا، لأَنَّ الْبَحْرَ كَانَ يَزْدَادُ اضْطِرَابًا عَلَيْهِمْ.”

“فَصَرَخُوا إِلَى الرَّبِّ وَقَالُوا: «آهِ يَا رَبُّ، لاَ نَهْلِكْ مِنْ أَجْلِ نَفْسِ هذَا الرَّجُلِ، وَلاَ تَجْعَلْ عَلَيْنَا دَمًا بَرِيئًا، لأَنَّكَ يَا رَبُّ فَعَلْتَ كَمَا شِئْتَ».”

“ثُمَّ أَخَذُوا یُونَاسَ وَطَرَحُوهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَقَفَ الْبَحْرُ عَنْ هَيَجَانِهِ.”[9].

[1]  سورة الصافات: الآية 139.

[2]  سورة الأنعام: الآية 83 – 86.

[3]  سورة النساء: الآية 163.

[4]  سفر یوناس 1: 1-3.

[5]  سورة الأنبیاء: الآية 87.

[6]  سفر یوناس 1: 3-7.

[7]  سورة الأنبیاء: الآية 87.

[8]  سورة الصافات: الآية 139 – 141.

[9]   سفر يونان 1: 8-15.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment