صلاة الجمعة

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

الأنبياء في القرآن (88)

يونس (2)

 

عاقبة یونس في البحر

عندما رمى یونس بنفسه في البحر, كان نادماً على ما قام به ولم يكن راضياً على حاله. وهنا وبأمر من الله قام الحوت بالتقامه. يقول القرآن الكريم {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ}[1].

وقد جاء في الكتاب المقدس عن هذه الحادثة: “وَأَمَّا الرَّبُّ فَأَعَدَّ حُوتًا عَظِيمًا لِيَبْتَلِعَ يُونَاسَ. فَكَانَ يُونَاسُ فِي جَوْفِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ”[2].

 

مناجاة يونس في جوف الحوت

لقد أدرك يونس أنّه مقصّر وندم على ما قام به, فبدأ يناجي ربّه في جوف الحوت وتاب إليه. وقد اختصر القرآن الكريم مناجاته في هذه الآية عندما قال {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}[3].

وينقل الكتاب المقدس هذه المناجاة بالتفصيل: ” فَصَلَّى يُونَاسُ إِلَى الرَّبِّ إِلهِهِ مِنْ جَوْفِ الْحُوتِ، وَقَالَ: «دَعَوْتُ مِنْ ضِيقِي الرَّبَّ، فَاسْتَجَابَنِي. صَرَخْتُ مِنْ جَوْفِ الْهَاوِيَةِ، فَسَمِعْتَ صَوْتِي. لأَنَّكَ طَرَحْتَنِي فِي الْعُمْقِ فِي قَلْبِ الْبِحَارِ، فَأَحَاطَ بِي نَهْرٌ. جَازَتْ فَوْقِي جَمِيعُ تَيَّارَاتِكَ وَلُجَجِكَ. فَقُلْتُ: قَدْ طُرِدْتُ مِنْ أَمَامِ عَيْنَيْكَ. وَلكِنَّنِي أَعُودُ أَنْظُرُ إِلَى هَيْكَلِ قُدْسِكَ. قَدِ اكْتَنَفَتْنِي مِيَاهٌ إِلَى النَّفْسِ. أَحَاطَ بِي غَمْرٌ. الْتَفَّ عُشْبُ الْبَحْرِ بِرَأْسِي. نَزَلْتُ إِلَى أَسَافِلِ الْجِبَالِ. مَغَالِيقُ الأَرْضِ عَلَيَّ إِلَى الأَبَدِ. ثُمَّ أَصْعَدْتَ مِنَ الْوَهْدَةِ حَيَاتِي أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهِي. حِينَ أَعْيَتْ فِيَّ نَفْسِي ذَكَرْتُ الرَّبَّ، فَجَاءَتْ إِلَيْكَ صَلاَتِي إِلَى هَيْكَلِ قُدْسِكَ. اَلَّذِينَ يُرَاعُونَ أَبَاطِيلَ كَاذِبَةً يَتْرُكُونَ نِعْمَتَهُمْ. أَمَّا أَنَا فَبِصَوْتِ الْحَمْدِ أَذْبَحُ لَكَ، وَأُوفِي بِمَا نَذَرْتُهُ. لِلرَّبِّ الْخَلاَصُ”[4].

نجاة يونس وأهمية ذكر اليونسية

عندما نرجع إلى الكتاب المقدس نجد بعد هذه المناجاة بالله سبحانه وتعالى: “وَأَمَرَ الرَّبُّ الْحُوتَ فَقَذَفَ يُونَاسَ إِلَى الْبَرِّ”[5]. ويقول القرآن {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ، وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}[6].

بناء على تقدّم يظهر لنا ويتّضح أنّ يونس قد تاب إلى الله وذلك من العبارات التي نقلها القرآن حيث يقول{فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ؛ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}[7].

وقد اشتهرت هذه العبارات باليونسية عند العرفاء, وتمّ التأكيد كثيراً على هذه المناجاة مع الله والدوام على هذا الذكر وخصوصاً في السجود {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}.

وبناء على تأكيد القرآن الكريم فإنّ هذا الذكر له تأثيره على نجاة جميع الناس كما كان سبباً لنجاة النبي يونس من بطن الحوت{وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}.

 

إمكانية بقاؤ الإنسان على قيد الحياة في بطن الحوت وخروجه منها سالماً

لقد تردّد البعض في واقعية قصة النبي يونس, واعتبروها قصة تعليمية بسبب أنّ هذه المجريات لا يمكن أن تتحقق في الواقع, ولا تتوافق مع قوانين العلم. ولأجل هذا الأمر ذهب البعض إلى أنّ (حوت) هو اسم السفينة التي ركبها النبي يونس, بينما أكدّ البعض أنّ الغرفة التي استقر بها النبي يونس على ظهر السفينة اسمها (حوت). وهناك من قال أنّ ابتلاع الحوت للنبي يونس كان في عالم الرؤيا والمكاشفة. لكنّ كلّ ما تقدّم لا يتوافق مع ما جاء بوضوح في القرآن والكتاب المقدس. وهنا يطرح هذا السؤال نفسه أمام كلّ من تطرق هذه القصة سمعه: هل يمكن للسمكة أن تبتلع الإنسان؟ ويبقى الإنسان على قيد الحياة في بطنها؟ ثم يخرج منها حياً؟ وما هي هذه السمكة التي بإمكانها ابتلاع إنسان بالكامل؟ وهل تعيش هكذا سمكة في البحر الأبيض المتوسط؟

وبالرجوع إلى التاريخ نجد حوادث مشابهة لابتلاع الإنسان وخروجه من جوف السمكة حياً. وذلك من قبيل ما ورد أنّه في القرن التاسع عشر وفي سنة 1881 أنّ حوتاً قد ابتلع صياداً معروفا (جيمز باستلي) في جزر فالكلند ثم تمكن أصدقاؤه من إخراجه حياً من بطنه.

فالحيتان يتجاوز حجمها الإنسان بعدّة أضعاف, وتعيش في البحار ويمكن مشاهدتها في الأفلام وحدائق الحيوانات المائية حيث نرى أنّ أجسامها أكبر من جسد الإنسان بمرات عديدة.

وقد تواجدت هذه الأسماك في البحر الأبيض المتوسط مكان حدوث قصة النبي يونس وسُجّل أنّ أكبر سمكة مرّت في البحر الأبيض المتوسط كانت بطول 10 أمتار وكانت تزن 7 أطنان.

وأخيراً وردت هذه القصة في القرآن الكريم والكتاب المقدس ونقطع بحصولها بناءً لمعتقداتنا الدينية. ولو لم يقبل الآخرون بما تقدّم وذهبوا إلى أنّ ما حصل خارج عن العادة ولا يمكن حدوثه فيجب عدّه من المعجزات الإلهية وهنا لا بدّ من التصديق بحصول المعجزة. وهكذا معاجز ليست بقليلة في تاريخ الأنبياء من قبيل انحسار النار عن النبي إبراهيم، أو ما حصل بعصى النبي موسى، أو ولادة ناقة صالح من الجبل، والأوضح من هذا كله ولادة النبي عيسى وأمه بكر.

 

[1]  سورة الصافات: الآية 142.

[2]  (یونس1: 17)»

[3]  سورة الأنبیاء: الآية 87.

[4]  (یونس2: 1-9)»

[5]  (یونس2: 10)»

[6]  سورة الأنبیاء: الآية 88.

[7]  سورة الصافات: الآية 143 – 144.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment